خطاب خادم الحرمين الشريفين .. رسالة نهضة ومسؤولية دور

هوية أصيلة ورؤية مستقبلية .. ودور ريادي ومؤثر في المنطقة والعالم

 

جاء خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – التاريخي يوم الأربعاء الماضي الموافق (13 ديسمبر 2017) ، في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى وذلك بمقر المجلس في الرياض ،  جامعًا مانعًا ، رسالة وإعلانا صريحًا عن نهج واضح ومسار مشرق في سبيل التنمية والنهضة السعودية واستقرار المنطقة والعالم.

حسم الخطاب التاريخي والحاسم منطلقات وتوجهات ومبادئ تاريخ عريق من خدمة الإسلام والأمة كما استشرف مرحلة جديدة يتعمق فيها الإصرار على التقدم والسير قدمًا في مسارات التنمية.

إنها لمرحلة جديدة تلك التي تخطو فيها المملكة بجسارة الخطوات تلو الخطوات نحو مستقبل واعد ومختلف ، قوامه إرادة وإصرار على التنمية والتقدم وسياسته – كما ذكر – الملك في خطابه ” الوسطية سبيلاً والاعتدال نهجًا ” في مصالحة بين المنطلقات والثوابت وخصوصية هذا البلد الأمين وبين غايات أبنائه وطموحاتهم المستقبلية ، فالمملكة أسسها ثابتة منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – في تطبيق شرع الله والالتزام بالعقيدة الإسلامية والعدل في جميع الأمور والأخذ بمبدأ الشورى” وهو ما أكد عليه خادم الحرمين الشريفين في مقدمته.

وسنحاول فيما يلي قراءة أهم محاور الخطاب ورسائله وما أكد عليه من سياسات  المملكة الثابتة ومواقفها التي لا تقبل الشك أو المزايدة في الدفاع عن القدس والمقدسات الإسلامية ، حيث استنكر خادم الحرمين في خطابه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نقل السفارة الأمريكية إليها ، وأكد على جهود المملكة ودورها الريادي والفاعل إقليميًا ودوليًا في مكافحة الإرهاب والحرب عليه وفي تعزيز السلم والسلام العالمي.

هوية أصيلة وطموحات رؤية مستقبلية : 

في بداية كلمته أكد خادم الحرمين الشريفين في افتتاح كلمته على الأسس والمنطلقات التي تشكل هوية المملكة الأصيلة والعريقة منذ تأسيسها على شرع الله واحترام أحكامه والتمكين للعدل في بلاده ، ومؤكدًا كذلك على طموحات المملكة المستقبلية وفق ما حددتها رؤية المملكة 2030 من خطط وبرامج تنموية تستهدف إعداد المملكة للمستقبل الواعد بإذن الله الذي بدأ بإصلاح مؤسساتي في ” إعادة هيكلة بعض الأجهزة الحكومية ، واتخاذ عدد من القرارات لخدمة مصلحة المجتمع ، وتعزيز أمن الوطن ومكافحة الفساد ، وزيادة مشاركة المواطنين والمواطنات في التنمية الوطنية ”  فالنهضة والتقدم ليسا إلا مسارًا  وعبورًا من التحدي وإصرارًا على الإنجاز يتجاوز ما اعتاده الناس قبله.

شراكة الدولة والمجتمع في التنمية:

في كلمته أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله على تثمينه على دور القطاع الخاص ، واعتباره شريكًا مهمًا في التنمية ودعمه الاقتصاد الوطني ، والتوسع في توظيف شباب الوطن وشاباته ، وتوطين التقنية ، مؤكدًا استمراره في هذا التوجه بإذن الله.

وشدد حفظه الله على ضرورة توفير المزيد من الخدمات للمواطنين والمواطنات بجودة عالية وتسهيل الإجراءات والتوسع في عدد من البرامج التي تمس حاجات المواطنين الرئيسة ومن أهمها برنامج الإسكان.

وجاءت ترجمة هذه التوجيهات بعد يوم واحد من خطابه ، حيث أعلن معالي وزير التجارة والاستثمار الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي عن إطلاق 17 مبادرة لذلك ، وإطلاق خطة في القطاع الخاص محددة قيمتها بـ 72 مليار ريال على مدى الأربع السنوات القادمة ،  تستهدف تعزيز القدرات التنافسية لعدد من شرائح الاقتصاد الوطني ، وتطوير منتجاته إلى جانب تحسين بيئة الأعمال التجارية والاستثمارية وتسهيل تنفيذها في البلاد ، وتحسين ثقة القطاع الخاص بالاقتصاد وتعزيز دوره التنموي.

مكافحة الفساد بحزم وعدل :

كان أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله في الرابع من نوفمبر الماضي 2017 بتشكيل لجنة عليا لقضايا الفساد العام برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – كما جاء بخطابه الأربعاء 13 ديسمبر الجاري لإيمانه بأن الفساد بكل أشكاله وأنواعه يمثل إعاقة عميقة وعتيقة للتنمية ومساراتها، وأن الفساد آفة خطيرة تقوض المجتمعات وتحول دون نهضتها وتنميتها  مؤكدًا عزمه بحول الله وقوته على مواجهته بعدل وحزم من أجل أن تنعم البلاد والمواطنون بالنهضة والتنمية التي يرجوها كل مواطن.

كما أكد خادم الحرمين الشريفين على التزام العدل وعدم التعميم تمييزًا بين الصالح والطالح والصحيح والفاسد ، حيث لا ينال ما اقترفه البعض  وبدر منهم من نزاهة مواطني هذه البلاد الطاهرة الشرفاء من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال والموظفين والعاملين على كافة المستويات وفي مختلف مواقع المسؤولية في القطاعين العام والخاص ، وكذلك المقيمين بها من عاملين ومستثمرين الذين نعتز ونفخر بهم ونشد على أيديهم ونتمنى لهم التوفيق.

هذا التمييز الرشيد والواعي هو شريان العدل والحزم ومكافحة المفسدين والفساد، مع حفظ كرامة الشرفاء – مواطنين ومقيمين – في بلاد الحرمين يؤكد على صلابة وأصالة توجه المملكة في هذا الصدد وارتفاعه عن أي تشكك أو ريب من أي مغرض أو مشك.

الوسطية سبيلاً والاعتدال نهجًا :  

نعم أعلنها خادم الحرمين الشريفين ” الوسطية سبيلاً والاعتدال نهجًا ” من أجل تطوير الحاضر وبناء المستقبل في توازن لا يتعارض مع الثوابت ، فقال في خطابه : تسعى بلادكم إلى تطوير حاضرها وبناء مستقبلها والمضي قدمًا على طريق التنمية والتحديث والتطوير المستمر بما لا يتعارض مع ثوابتها متمسكين بالوسطية سبيلاً والاعتدال نهجًا كما أمرنا الله بذلك معتزين بقيمنا وثوابتنا ”

ومن أجل هذا الاعتدال وهذه الوسطية وحتى لا يستغل متطرف في هذا الاتجاه أو في ذلك الاتجاه المضاد الموقف من كليهما لتبرير سلوكاته المتطرفة أكد خادم الحرمين الشريفين في كلمة تاريخية على أنه ” أنه لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه ، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال واستغلال يسر الدين لتحقيق أهدافه ، وسنحاسب كل من يتجاوز ذلك ” هذا التوازن في رفض التطرف باسم الدين أو التطرف والحرية المنحلة لا تقبله المملكة التي تتخذ الاعتدال نهجًا والوسطية منهجًا وسبيلاً.

دور عالمي وإقليمي رائد ومؤثر:

في خطابه التاريخي العميق أضاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله السياسة الخارجية للمملكة ، ودورها المؤثر والفاعل في المنظمات الإقليمية والدولية والتي تحظى بتقدير إقليمي وعالمي مكنها من عقد قمم تاريخية في توقيتها ومقرراتها شارك فيها عدد كبير من قادة الدول الشقيقة والصديقة وأسست لعمل مشترك يستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

كما أشار خادم الحرمين الشريفين بالخصوص لدور المملكة الرائد في مجال مكافحة الإرهاب، والتصدى لظاهرته وتجفيف منابعه ومحاربة أفكاره وجماعاته، وهو الدور الذي لا ينكره إلا جاحد خاصة وأن المملكة التي تحمي الحرمين وتخدم زوارهما كانت الأسبق في جهود المكافحة كما كانت الهدف الأول لجماعات الإرهاب منذ تسعينيات القرن الماضي ، سواء في وجهه التنظيمي أو بالوكالة عن أنظمة أصولية تعاديها وتدعم جماعاته ، كما نشطت وتوالدت المؤسسات السعودية الدينية والفكرية والاستراتيجية والأكاديمية في كشف زيف أفكار الإرهاب والتطرف العنيف وضلال أصحابها مما جعلها حائطًا مكينًا وسدًا منيعًا على جماعاته وبلدًا آمنا على أهله ومواطنيه.

وقد دعت المملكة دائما إلى الحل السياسي للخروج من أزمات المنطقة ، وحل قضاياها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وأضاف خادم الحرمين الشريفين في خطابه تعقيبا على ذلك : ” وفي هذه المناسبة أؤكد استنكار المملكة وأسفها الشديد للقرار الأمريكي بشأن القدس لما يمثله من انحياز كبير ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس التي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة ، وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي “.

كما أكد على سياسة المملكة والعمل مع حلفائها في التصدي ومواجهة ” نزعة التدخل في شؤون الدول الداخلية وتأجيج الفتن الطائفية وزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي ، وتسعى إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش وتعمل على رفع المعاناة عن الشعوب “.

ختامًا إن خطاب خادم الحرمين الشريفين في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى كانت تاريخية بامتياز، أجلى فيها المعالم نحو المستقبل ، أضاء من خلالها توجهات وسياسات المملكة التي تنتهج الوسطية سبيلاً والاعتدال نهجًا ومنهجًا في الشأن الداخلي والخارجي ، كما كشف فيه عن مبادئ وثوابت المملكة التي تحرك دورها الريادي والفاعل إقليميًا ودوليًا في التمكين للسلام والحوار العالمي الفاعل ومكافحة التطرف داخليًا وخارجيًا.