16 نوفمبر يوم التسامح العالمي .. وصداه عربيا وإسلاميا..

الإسلام دين التسامح والسعودية والإمارات وجهود كبيرة للتمكين له.


في 16 نوفمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للتسامح ذلك اليوم الذي أقرته منظمة اليونيسكو عام 1995، بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب العظمى التي تعد الأعظم فداحة ووحشية في القرن العشرين، وربما في التاريخ عموما، وتذكر بعض التقارير أن ضحاياها قد تجاوز ال 60 مليون إنسان!! بينما بلغ ضحايا الحرب العالمية الأولى ما وصل به البعض إلى 13 مليون فرد فضلا عن عشرات الحروب بين الدول ومئات الحروب الأهلية وجرائم التطهير العرقي وجرائم الحرب…

لذا كانت الدعوة للتسامح والاحتفاء به ضرورة ومطلبا عالميا لتكريس السلام والتمكين له ودفع التطرف والعنف ولغة الحروب التي لا تنتهي.

حيث لم تسلم الأمم المتحضرة ولا النامية من حروب التعصب، ولو أخذنا القرن العشرين وحده وما شهده من حروب عالمية راح ضحيتها الملايين، لكان دليلا على أن السلام عملية مكتسبة وليست وضعا طبيعيا، كما يقول الفيلسوف “كانت”؛ ورغم أن التسامح جزء من الكينونة البشرية، كما يشير “فولتير” لكننا جميعا نتاج ضعف، هشون ميالون للخطأ، وبغير التسامح الذي هو مبدأ الطبيعة الأول وحقوق الإنسان كافة، لن نستطيع الحياة.

عند تحديد اليوم العالمي للتسامح دعت اليونيسكو لتثقيف الناس بشأن احترام ثقافات ومعتقدات وتقاليد الآخرين وفهم المخاطر التي يشكلها التعصب. وقالت الأمين العام للمنظمة السابقة إيرينا بوكوفا في التفرقة بين التسامح والتنازل : “إن التسامح لا يعني الشعور باللامبالاة تجاه الآخرين، ولا يستبطن قبول كل المعتقدات وكل أنماط السلوك دون أي تحفظ، وهو لا يعني تدني التزام المرء بمعتقداته أو تهاونه بها، كما أنه لا يحمل أية دلالة على أن الشخص المتسامح أرفع مرتبة من الآخرين”.لكن الأهم أن اليونيسكو أيضا وضعت أول تعريف قانوني للتسامح، واعتبرته واجبا عاما ومؤسساتيا وليس أخلاقيا فحسب، حيث جاء بإعلان المنظمة الدولية تعريفا للتسامح أنه “التسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام وعلى ان يطابق مظهرهم مخبرهم، وتعني أيضاً أن آراء الفرد لا ينبغي فرضها على الآخر”.

في هذا اليوم يحتفل العالم بقيمة وفضيلة التسامح، فتنشط الفعاليات والمؤتمرات وتدور نقاشات جادة في مختلف أرجائه، حول قيم التنوع التي تثري ثقافات العالم كما سطرها اليونسكون في عمل تاريخي ومهم بعنوان” التنوع الخلاق” الذي اصدرته اليونسكو في مايو سنة 1996، وحرية الفكر والمعتقد، وواجبات الدول لضمان العدل وعدم التحيز والتمييز بالتشريعات وإنفاذ القوانين والإجراءات لضمان عدم تهميش أي فصيل أو نوع، لأن ذلك يعد أحد بوابات العنف لاحقا.

وحسب موقع الأمم المتحدة فإن من أهم المبادرات الدولية، حملة ( معــا ً ) لتعزيز التسامح، وجائزة “اليونيسكو – مدانجيت سنغ” للاعنف، والتي تأسست بالتزامن مع إطلاق يوم التسامح وبمناسبة مرور 125 عاماً على ميلاد المهاتما غاندي، وقد حازها العام الماضي مركز “المنهجية” الروسي للتسامح وعلم النفس.

الإسلام دين التسامح بشهادة الغربيين:

بلغ مجموع الآيات التي ورد فيها معنى الاختلاف في القرآن الكريم، اثنين وخمسون آية. منها ست وثلاثون آية مكيّة وست عشرة آية مدنيّة، وكان الفعل” اختلف” الأكثر ورودا من الأفعال في القرآن الكريم، ورد في وصف أهل الدنيا وأحوالها كما ورد في وصف نعيم الآخرة وعذابها.

وقد جعل الله الاختلافات الطبيعية في الون والبشر واللغات والثقافات آية عظمى من آيات قدرته سبحانه وتعالى، فيقول سبحانه:” وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ“سورة “الروم- آية 22” التي تعد واحدة من رسائل الله لعباده في الأرض، التي تؤكد سنة الاختلاف الكونية والثقافية والعنصرية، بل تجعل الاختلاف علامة من أعظم العلامات على قدرة الله عز وجل، بأن جوهر الدين إنما هو قبول الآخر والتسامح معه، وهو ما تتفق معه الفطرة البشرية السوية، ولكننا اليوم نشهد حروبا مستعرة بين الفرقاء في الجنس واللون والدين، يجري خلالها لي عنق النصوص لخدمة قوى الشر وتكريس شريعة الدماء بديلا لشريعة الله.

في كتاب “قانون التسامح” لهوبرتس هوفمان، الصادر ببرلين 2015؛ نرى شهادة جديدة تؤكد أنه لم يكن النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – رجل السيف، كما تدعي حملات مغرضة، بل رجل الكلمة وداعية التناغم والتعايش السلمي. قبل 1400 سنة وأراد أن يخلق للقبائل المتنازعة في مدينة مكة وفي الجزيرة العربية بفضل عودتهم إلى الله الأوحد نظام سلام متناغم أفضل ، نظام الدين والحلم .

كان النبي يريد أن يدفع عنهم القوى السلبية، قوى الثأر والعنف التي كانت سائدة في الجاهلية قبل بعثة محمد، لم يكن مقاتلا مهاجما كالمتشددين المعاصرين، بل كان صانع سلام، واضطر بعد هجرته من مكة وبسبب تعديات أعدائه على المدينة إلى استخدام السيف وإلى الدفاع عن نفسه، وقد كرس التسامح بعفوه عن المشركين بعد فتح مكة، وبالقواعد التي أقرها للجهاد  في سبيل الله، وعلى الجانب الآخر قام ملك مسيحي بإنقاذ أكثر من مئة من المسلمين الأوائل من الاضطهاد في عام 615 م، وهناك المعاهدات الأربع عشرة في السماحة والتعايش  التي عقدها النبي وخلفاؤه مع المسيحيين واليهود وكيف وعدهم باحترام حريتهم الدينية  والرحمة هي أهم قاعدة لتصرف المسلم الحقيقي .

يقول “هوفمان” : هناك قلة ضئيلة من المسلمين الذين يزيد عددهم على مليار ونصف، يدافعون عن النبي ضد جهود الإرهاب، لا تقوم المشكلة على المتطرفين القلائل، بل على ركود السياسيين والنخب والجماهير الغفيرة . إن الصمت المدوي هو عدو السماحة الأكبر، والعون الصامت للشر.

جهد عربي سعودي وإماراتي للتمكين للتسامح:

لابد أن نستحضر في هذا العام إصرار الحكومة السعودية الجديدة ممثلة في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود الذي أكد إصراره على محاربة التطرف في 24 أكتوبر الماضي 2017 من أننا سنعود للإسلام المعتدل المنفتح، وأنه لن تقبل حكومة الملك أي دعوة للتطرف أو أي إعاقة للنهضة باسم التطرف.

كما ثمنت العديد من بلاد العالم والامم المتحدة جهود دولة الإمارات الشقيقة للتمكين للتسامح، عبر العديد من الإدارات، وتأسيس وزارة باسمها، واعتبار الإمارات البلد الأكثر تسامحا في المنطقة، و مبادرة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد بإنشاء جائزة لها، وإنشاء وزارة للتسامح والمعهد الدولي للتسامح بها..

مما يستهدف تكريس مفاهيم التعايش المشترك. وفي دولة تشهد تنوعا حقيقيا بالديانات والأعراق، جرى هذا العام إطلاق قانون معهد التسامح والذي يمنح جائزة كبرى للساعين لأجله عالميا، ويجرم مظاهر العنف والتمييز والكراهية.

وقد أشار  د. عمار علي حسن، المحلل السياسي والذي أعد كتابا عن “التسامح” أن واجبنا تعزيز ثقافة قبول الآخر بما تشمله من تقدير للآخر وفهم مشاعره ومهارات العيش بجماعة، وفض المنازعات، وهي مهارات تكتسب منذ الصغر من خلال التعليم، وذات أصول عميقة بتراثنا الديني والقرآن الكريم كقوله تعالى : “وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” وبالتالي فاختلاف الأمم سنة كونية، وبما يشمله من تأكيد حرمة الحياة على قاعدة المساواة وإقرار مبدأ أن الخير يجوز أن يتجاوز غير المؤمنين بل وأكثر فئات الآخر عداء!.

وفكرة قبول الآخر لا تعني بالضرورة الاتفاق مع آرائه، وإنما تعني أن تحيا وتترك للآخرين الحياة، أو التكيف مع جماعات متعارضة بحيث يجري انسجاما متبادلا، وتحاش للصراع ووضع حلول عملية، وهو جزء من ثقافة الديمقراطية القائمة على حرية التفكير والتعبير والتدبير، لكنها أيضا مقيدة بشروط عبر عنها مفكرون منهم “جون لوك” صاحب فكرة العقد الاجتماعي بين الحاكم والشعب، والذي قال أن التسامح لا يمكن أن يكون مع معتقدات تهدد بتدمير المجتمع أو تشيع الفوضى والإلحاد، أو تدمر بنية الدولة وتعريض مصالحها الوطنية للخطر، والتعدي على أموال الآخرين وحرماتهم، وإبداء الولاء لحكام أجانب، ما يعني خيانة الوطن.

وتأتي أهمية التسامح في هذا الوقت عربيا، في وقت تعيش فيه المنطقة مخاطر “الفوضى” والتجزئة والتعصب المذهبي والعرقي واللغوي، واستبداد بعض الحكام ضد شعوبهم لدرجة ارتكاب جرائم حرب، علينا أن نكرس من جديد لمفاهيم التسامح . وللاحتفال بالتسامح لابد أن ننطلق جديا بمسارات متوازية؛ تبدأ بالتربية الأبوية وتمر بالتعليم المجتمعي عبر المدرسة والمراكز المهتمة بالتنشئة، وأيضا بوضع التزامات إعلامية بمنهج وقيم التسامح والمهنية، وهناك مسار أكيد يتعلق بالتشريعات الرافضة لجرائم التمييز والعنف والكراهية، والاستراتيجية الوطنية التي تضعها البلدان العربية لاحترام التعددية، ولكن الأهم يبقى دور المسجد والمؤسسات الدينية بإزالة ما تشوه بعقول الناس جراء الخطابات المغالية، وزرع روح التسامح الحقيقية، والتعريف بمعنى الجهاد الحقيقي في الإسلام.