صحوة عالمية

بحث استراتيجيات وبرامج مكافحة التطرف هي الأنشط في مختلف دول العالم.


بينما تتراجع أعداد مراكز البحث والتفكير الاستراتيجي في العالم بشكل عام، إلا أن جانبا واحدا منها يزداد الاهتمام به، ألا وهو مكافحة التطرف والتطرف العنيف وأفكار جماعات الإرهاب والتشدد، وخاصة الإسلامي منه.

ومرد ذلك مفهوم، فقد مثل الإرهاب وجماعاته صداع العالم وقله المتصاعد في السنوات الأخيرة، بل وفي العقدين الأخيرين، وقد ظهرت تنظيماته بكثافة على مسرح الأحداث خلال الأعوام الست الأخيرة، لحالة هلع عالمية، خاصة بعد إقدامها على سفك الدماء البريئة وهدم العمران، واستخدامها لوسائط التواصل الحديثة وآليات العصر لتجنيد المزيد من الشباب حول العالم، وتشويه حقائق الدين المتسامحة، بالادعاء بكفر الآخر وزعامتها دولة الإسلام ذات الراية السوداء، ومن هنا نشطت بالسنوات الأخيرة العديد من بيوت الخبرة والمراكز لدراسة حالة التطرف ومراقبة المتشددين وإصدار إرشادات لصناع القرار والعامة على السواء لتفادي الكارثة قبل وقوعها.

ثمة اتجاه عالمي لإنشاء مراكز مكافحة التطرف، مثل المركز القومي الأمريكي لمكافحة الإرهاب، والمركز العالمي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، ومرصد الفتاوى التفكيرية التابع لدار الإفتاء المصرية، والمركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف هداية في أبوظبي، ومركز “صواب” الذي تأسس عن مبادرة مشتركة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة لمحاربة الفكر المتطرف في الشرق الأوسط، كما اعلنت السعودية وماليزيا في إبريل 2017 عن تأسيس “مركز الملك سلمان للسلام العالمي” لمكافحة الإرهاب.

ويشرف مركز “الشرق الأدنى وجنوب آسيا” للدراسات الاستراتيجية، التابع لجامعة الدفاع الوطني بالولايات المتحدة بالتعاون مع وزارة الخارجية الأمريكية على برنامج لتدريب وتأهيل طلاب الجامعات لمكافحة الطرف يطلق عليه “مسابقة النظراء لمكافحة التطرف” ويرتكز البرنامج على تشكيل فرق طلابية من الجامعات المختلفة في دول شمال أفريقيا للتسابق مع نظرائهم في جامعات أمريكية وأوروبية لإعداد مشروع لمكافحة التطرف في مجتمعاتهم.(1)

المملكة..”اعتدال” يقاوم التطرف

كشف افتتاح المركز العالمي لمكافحة التطرف “اعتدال” ومقره الرياض، على هامش القمة “العربية الإسلامية الأمريكية”  في 21 مايو الماضي 2017، عن تصاعد تركيز دول الإقليم على مكافحة الفكر المتطرف، ويمثل المركز نموذجا على كيفية توظيف تكنولوجيا تحليل البيانات الضخمة وتحديد المواقع الجغرافية في مكافحة التطرف، حيث يعمل به  200 محلل بيانات يعتمدون على تقنيات متقدمة لرصد وتحليل للمحتوى المتطرف على الانترنت بحيث يمكن معالجة وتحليل الخطاب المتطرف خلال 6 ثوان فقط من لحظة توافر البيانات أو التعليقات على الانترنت  فضلا عن نظم ذكاء اصطناعي متقدمة لتحديد المواقع الجغرافية التي تحتضن بؤر الفكر المتطرف.

 

تقوم رؤية المركز السعودي العالمي “اعتدال” لأن يصبح المرجع الأول عالميا في مكافحة الفكر المتطرف، وتعزيز ثقافة الاعتدال. يجري العمل به وفق مرتكزات فكرية وواقعية وإعلامية، لرصد وتحليل والتفاعل مع كافة البيانات المرتبطة بالتطرف. ويتميز المركز بالتفاعل التقني بالجانب الفكري، والدقة الكبيرة في التصنيف ومحاكاة جميع اللغات واللهجات، إضافة للتعاون الدولي وفق رؤية مشتركة . (2)

وقال العاهل السعودى، الملك سلمان بن عبدالعزيز، خلال كلمته بالقمة “الإسلامية الأمريكية” مايو الماضي بالرياض، إن الإسلام دين الرحمة والسماحة والتعايش، حيث قدم الإسلام فى عصوره الزاهية أروع الأمثلة فى التعايش والوئام، لكننا اليوم نرى بعض المنتسبين للإسلام يسعى لتقديم صورة مشوهة لديننا تريد أن تربط هذا الدين العظيم بالعنف”.مشددا أن أحد أهم مقاصد الشريعة هو حفظ النفس”.كما يجري استغلال الإسلام كغطاء لأغراض سياسية تؤجج الكراهية والتطرف والإرهاب والصراعات الدينية والمذهبية، كما يفعل النظام الإيرانى والجماعات والتنظيمات التابعة له مثل حزب الله والحوثيين، وكذلك تنظيمى داعش والقاعدة، وغيرها.

وقد أعلن “بيان الرياض” عن نوايا لتأسيس تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى بحلول 2018 لتحقيق الأمن والسلم فى المنطقة والعالم.(3)

والسعودية دولة فاعلة في مقاومة التطرف، وقد تكلفت 100 مليون دولار لدعم شراكتها مع الأمم المتحدة بتدشين مركز مكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة عام 2011 ، ولكن السعودية أيضا قدمت تجربة هامة للوقاية من التطرف عبر “لجنة المناصحة” وهي لجنة شرعية تتكون من العلماء والدعاة والمفكرين بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة والمغلوطة لدى الموقوفين، فكان إنشاء (مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية) الذي يهدف لكشف الشبهات وتوضيح المنزلقات الفكرية التي يتبناها أصحاب الفكر المنحرف الذي يقود إلى الإرهاب من أجل إعادة الموقوفين إلى رشدهم وتصحيح مفاهيمهم من خلال الاستعانة بعلماء الشريعة والمختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية والمثقفين ورجال الأعمال وإتاحة الفرصة لهم لمقابلة هذه الفئة ومناقشتهم بكل حرية والرد على شبهاتهم وانتهاج أسلوب الحوار والإقناع مع بعض أتباع هذا الفكر، وتغيير الكثير من القناعات السابقة لديهم وعرض هذه التراجعات عبر وسائل الإعلام.

ولعل أبرز ما تحقق في هذا السياق تراجع الكثير من المنظرين للفكر التكفيري المنحرف عن فتاواهم التي استندت عليها عناصر الفئة الضالة في القيام بأعمالها الإجرامية وأكدوا أن فتاواهم تلك خاطئة وتراجعوا عنها وأعلنوا توبتهم.

وأصدرت المملكة جملة من الأنظمة والتعليمات واللوائح لاستخدام شبكة الإنترنت والاشتراك فيها بهدف مواجهة الإرهاب الإلكتروني، ودشنت هيئة لتنظيم جمع التبرعات للأعمال الخيرية التي قد تستغل لغير الأعمال المشروعة، وأنشأت محكمة خاصة للنظر في قضايا الإرهاب تحت اسم المحكمة الجزائية المتخصصة، كما أقر مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر الماضي نظام “مكافحة الإرهاب وتمويله”، وهو يعد نظاما إجرائيا أُخذ فيه بمبدأ التوازن بين الأخطار التي تؤول إليها تلك الجرائم، وحماية حقوق الإنسان التي حفظتها وأكدت عليها الشريعة الإسلامية(4)

الإمارات تدشن الـ”هداية” لدراسات التطرف العنيف:

انطلقت بدولة الإمارات العديد من المبادرات والمراكز لمكافحة التطرف بأسلحة فعالة، وكانت الإمارات قد أطلقت مركز “هداية”منتصف ديسمبر 2012، خلال احتضان العاصمة أبوظبي أعمال المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، ومنذ ذلك الحين أطلق المركز العديد من الشراكات ضد التطرف مع بلدان العالم، وأصدر البحوث والتحليلات الجادة للظواهر المرتبطة بالتطرف، وفي أكتوبر الماضي انطلق مؤتمر دولي بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية “أورسام” وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة المرأة، ومشاركة ممثلين من بلدان العالم ورعاية وزارة الخارجية التركية، وحضور معاهد دولية أمنية وفكرية، وتطرق المؤتمر لسبل وضع روايات مضادة لتلك التي يطرحها المتطرفون، وبحث أهمية مشاركة المرأة، وإعادة دمج وتأهيل المتورطين بالعنف . وفي نوفمبر الماضي أيضا انطلق مؤتمر “التطرف العنيف عالميا” والذي احتضنت تركيا فعالياته، اعتبر المشاركون أن الافتقار لبيانات التطرف يعد تحديا أساسيا بمكافحته، كما خلصوا إلى أن الحرمان والتهميش والعنف يدفعان الكثير من شباب القارة الإفريقية للانخراط بتنظيمات عنيفة، داعين لشبكة أقوى عالميا لدحر التطرف ومنح سياسات رشيدة لصناع القرار.

تستهدف “هداية” إطلاق منصة عالمية محايدة تسمح للأفكار العملية أن تنمو في مواجهة التطرف، وأن تعزز من استخدام وسائل الاتصال الحديثة، في خلق روايات مضادة، وتعزيز الحوار العالمي، ونشر استراتيجيات وطنية للتثقيف، وسد الفجوة بين المجتمعات المحلية باستخدام وسائل القوى الناعمة كالرياضة والفنون وغيرها.

ومن بين البرامج المميزة التي يرعاها المركز، برنامج “ستريف” بالتعاون مع الأمم المتحدة ضد تجنيد النشء للتطرف، و”بناء القدرات” والذي يناهض كل عوامل دفع الشباب الضعيف للتطرف، بمشاركة منظمات مدنية معنية وأشخاص متطوعين، لأن استخدام النماذج التقليدية المنعزلة لن تفلح، وقد تؤتي بعكس النتائج في مكافحة الإرهاب بالمجتمع. (5)

الإمارت تدخل حيز التنفيذ بـ “صواب”

واستمرارا للجهود الرامية لمكافحة التطرف، أطلقت الإمارات بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية مركز “صواب” في عام 2015، وهو مبادرة تفاعلية للتراسل الإلكتروني تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد تنظيم “داعش”.     ويتطلع المركز إلى إيصال أصوات الملايين من المسلمين وغير المسلمين في جميع أنحاء العالم ممن يرفضون ويقفون ضد الممارسات الإرهابية والأفكار الكاذبة والمضللة التي يروجها أفراد التنظيم.

وسيعمل “مركز صواب” على تسخير وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة ووضعها في منظورها الصحيح وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة التي غالباً ما تضيع وسط ضجيج الأفكار المغلوطة التي يروجها أصحاب الفكر المتطرف.

ومن خلال تواصله مع عامة الجمهور عبر الإنترنت سيتصدى المركز لمواجهة وتفنيد الادعاءات الكاذبة والتفسيرات الدينية الخاطئة التي ينشرها أفراد تنظيم داعش كما سيتواصل المركز مع مجتمعات الإنترنت التي غالباً ما تكون فريسة سهلة لدعاة هذا الفكر.وقد أطلق حملة يوليو الماضي في مواقع التواصل الاجتماعي تحمل وسما باسم #خديعة داعش، كما سبق أن رفع حملة تحمل وسم #رحمة للعالمين. ونبّه إلى أن تنظيم «داعش» يسعى إلى خلق الشخصية المعادية للمجتمع من خلال تجنيد الأطفال المغرّر بهم، ومن خلال بيع وهم كبير ليغرروا بالكوادر التي يحاولون تجنيدها، حتى يترك الموهوم أهله ويخون وطنه من أجل صورة غير حقيقية يرسمها له أعضاء التنظيم الإرهابي.

وسوف يتعاون المركز مع حكومات دول المنطقة والعالم بما في ذلك حكومات 63 بلدا مشاركا في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش والأهم من ذلك سيعمل المركز مع عامة الناس والمؤسسات والشركات والشباب من أجل دحض عقيدة داعش التي تقوم في جوهرها على الكراهية والتعصب وفي المقابل سيعمل على إبراز ونشر القيم الحقيقية لدين الإسلام والتي تقوم على الاعتدال وتدعو إلى التسامح والانفتاح.(6)
مرصد الأزهر .. عين على العالم

انطلق “مرصد الأزهر” يونيو 2015، بمشاركة باحثين ومترجمين مختصين بثماني لغات هي الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والأوردية والفارسية والإفريقية والصينية، وأصدر أكتوبر الماضي العدد الأول من مجلته المعنية برصد ظاهرة التطرف.

والمرصد لا يعتمد الأدلة الشرعية حين يخاطب القاريء الأوروبي، ولكنه يعمد لتأكيد فهم تلك الآيات والأحاديث والنصوص الدينية فهما صحيحا، وكيفية تطبيقها وإسقاطها على الواقع فى ظل المتغيرات واختلاف البيئات والثقافات الأمر الذى ينعكس بالضرورة على تجديد الخطاب الدينى

كما يطلق المرصد من خلال موقعه إحصاءات دورية لحالة التطرف، وحملات التوعية التى تقوم الفكر المعوج مثل حملة “يدعون ونصحح” وحملة “تصحيح المفاهيم”، وينشط المركز بوسائل التواصل الاجتماعي، ويشارك بأعضائه وتقاريره فى العديد من المؤتمرات الدولية التى تناقش قضايا الإسلام والإرهاب ويهتم بتعزيز قيم التسامح ومناهضة الأسلاموفوبيا ومساعدة الأقليات المسلمة على الإندماج فى المجتمعات التى يعيشون فيها مع المحافظة على هويتهم، ويفتح المرصد أبوابه للتعاون مع المؤسسات المعنية بنشر ثقافة السلام ومكافحة الكراهية والتشجيع على تأسيس مجتمعات آمنة تنعم بالرخاء والأمن والسلام(7).

أربع استراتيجيات في مكافحة التطرف عالميا:

أقدمت دول العالم على محاصرة التطرف العنيف عبر أربع استراتيجيات  تحدث عنهم بشيئ من التفصيل الباحث يوسف ورداني في دراسته بعنوان  : “الخبرات الدولية والإقليمية في مكافحة التطرف” والتي حددها فيما يلي :

1-   المحاصرة الأمنية: وذلك لتفكيك الجماعات المتطرفة وإضعافها، وتقاس فاعلية تلك المحاصرة بقدراتها على منع وقوع اية أعمال إرهابية. وجاءت الخبرة الفرنسية والتي تقدم نموذجاً متطوراً في كيفية توظيف تكنولوجيا الانترنت في تمكين جهاز الشرطة من تتبع المتطرفين. فأطلقت السلطات الفرنسية موقعاً إلكترونياً باسم “أوقف الجهادية” وذلك لتشجيع الناس للإبلاغ عن أي فرد يرتاب المجتمع بتغير سلوكه على نحو غريب.

وفي كينيا تبنت الأجهزة الأمنية مبادرة “اعرف جارك” لتقسيم الأحياء السكنية لمجموعات صغيرة لملاحقة المتشددين.

كما أنشأ المغرب وحدة استخبارات باسم “حذر” لحماية المرافق الاستراتيجية والمواطنين والأجانب في ست مدن كبرى ، ونجحت بتفكيك خلايا مرتبطة بتنظيم القاعدة وإحباط مخططاتها.

أما في النرويج فقد تم توزيع كتيبات عن أنشطة اليمين المتطرف والتعجيل بمحاكمة المتورطين بالعنف، وشكلت فريق “الخدمات المتخصصة بمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب” ويضم نشطاء وضباط وأخصائيين اجتماعيين لتقديم الخبرات. وهو ما جرى بسلوفاكيا أيضا من مراكز لرصد التعصب وأقسام شرطية متخصصة لهذا الغرض بالأقاليم ولجنة وزارية تتعاون مع المجتمع المدني لمتابعة حالة التطرف.

وفي أمريكا، تعتمد إدارة شرطة نيويورك  ولوس أنجلوس على أنظمة موزعة جغرافيا لجلب المعلومات في المشتبه بهم وبالتعاون مع المجتمع الأمريكي المسلم.

وفي الإمارات هناك برنامج” الأمين” الذي يتيح للمواطنين التبليغ السريع عبر رقم مجاني خاص عن أي جرائم محتملة.

2-   تجفيف منابع التمويل وتجريمها: حيث يمثل التمويل الجهاز التنفسي لاستمرار حياة الجماعات المتطرفة سواء عبر مشاريع صغيرة في الأحياء الفقيرة أو عن طريق السيطرة على مناطق ذو موارد غنية وعبر عن ذلك سيطرة داعش على مناطق غنية بالنفط في سوريا والعراق. أو التمويل من الخارج وذلك في إطار الصدقات والزكاة أو عبر منظمات أهلية غير هادفة للربح.

وتعد دولة الإمارات المثال الأبرز في هذه الحالة حيث فرضت عدد من الإجراءات الوقائية والدفاعية منها اعتقال المشتبه في تورطهم في عمليات غسيل أموال وتجميد عدد من الحاسبات المشبوهة. وكذلك كندا التي تنفرد في مجال الرقابة الشديدة على أنشطة الجمعيات الخيرية وذلك بإنشاء وحدة للاستخبارات المالية تتبع وزارة المالية، أما عن أوروبا فبشكل عام منذ 2012 شهدت عدة محاولات لتحجيم تمويل الإتحاد الأوروبي للسياسات ذات الفكر الأصولي الراديكالي.ومن جهة أخرى تعتبر دولة الهند رائدة آسيويا بمكافحة تمويل التنظيمات المتطرفة عبر الوسائل الحديثة.

3-   المراجعات الفكرية والأيديولوجية: وفي هذا السياق أشار الباحث المصري يوسف الورداني إلى الخبرة المصرية في هذا المجال؛ حيث تمت مراجعة فكرية لأعضاء الجماعة الإسلامية في التسعينيات ونجحت في وقف نزيف الدماء الذي كان من الممكن استمراره وتفشيه في البلاد.وقد اهتمت المملكة العربية السعودية بفكرة المناصحة ( فازت عن تجربتها بجائزة الاستخبارات الأمريكية ) .

وتتجلى سياسة تأهيل المتطرفين بتجارب عالمية عدة، منها الخبرة المغربية لتأهيل السجناء وإعادة دمجهم في المجتمع وخلقت لهم شركات لتوفير فرص عمل وذلك لضمان عدم عودتهم إلى التطرف اذا ضاق بهم الحال.

وفي ألمانيا  تم تأسيس إدارة  “الوقاية والتعاون” ضمن المكتب الاتحادي للمهاجرين، وخصصت الحكومة خطا ساخنا يقدم استشارات للمجتمع تقيه التطرف ويؤهل العائدين من تلك الأفكار ويضمن لهم الحياة الكريمة والتأمين. والمثير أن البرامج الألمانية يشارك فيها أعضاء سابقون أحيانا بتلك التنظيمات المتطرفة، اعتمادا على خبرتهم بالإقناع .وكثير من البلدان الأوروبية سمحت لهؤلاء بالاندماج في المجتمع وتقديم روايات مضادة لتوعية الشباب بمخاطر ما أقدموا عليه.

وفي المملكة العربية السعودية شهدنا ” برنامج المناصحة” الذي اشرفت عليه وزارة الداخلية وبرعاية خاصة من سمو الأمير محمد بن نايف، كما تأسست حملة السكينة لتعزيز الوسطية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف السعودية، ونجح برنامج المناصحة والحملة الطوعية المشار إليها في تصحيح فكر العديد من المتطرفين وردهم عن اعتناق الأفكار الضالة.

مجال مساعدة  الضحايا:

في 9 نوفمبر الجاري سنة 2017 دعى مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب لتوظيف ضحايا الإرهاب وقصصهم ومآسيهم في الرد عن الإرهاب (8)، وأعلن المركز المشار إليه أنه أنتج العديد من الوثائقيات في هذا الاتجاه.  نجد أن دولة بريطانيا طورت مبادرة لحماية المرأة المسلمة لمكافحة أفكار الكراهية والعوائق الثقافية التي تقابلها بالمجتمع عبر مراجعة التفسيرات المختلفة لنصوص الشريعة ، كما نشطت بعض الدول الأوروبية بمجال توفير خطوط ساخنة لمساعدة الأسر التي غادر أحد أفرادها إلى أماكن القتال بسوريا أو العراق .

ونرى في بلجيكا مثلا أن الآباء أنفسهم هم من تطوعوا لنقل خبراتهم للأسر الجديدة التي تعاني من تطرف أبنائها ،وفي الدانمارك تعقد الأسر حلقات لتبادل الخبرات حول التطرف ويكون الحضور فيها بدعوة مسبقة من إدارة الحلقة .

وفي ألمانيا تهتم منظمة backup   بتقديم الدعم القانوني والنفسي لضحايا عنف جماعات اليمين العنصرية كالنازيين الجدد .

وأطلقت شركة جوجل شبكة againstviolent extremism من أجل توحيد جهود ضحايا التطرف مع جهود المتطرفين السابقين في مجال مكافحة انتشار الأفكار المتطرفة عبر الإنترنت، وتحجيم تجنيد الشباب.

في الوقاية من التطرف ومحاصرته مجتمعيا:

وعن محاصرة التطرف من منابعه، يعدد ورداني الأمثلة فنرى تبني فنلندا نظاماً لجعل مادة الوقاية من الجريمة في المناهج التدريبية ويقوم شرطي بتدريسها، أما الإمارات فقد أشركت الطلاب بعملية الأمن بالشوارع.

وخصصت استراليا الجنوبية ميزانية 65 ألف جنية استرليني لتوعية الطلاب بالملصقات الجذابة .وفي بريطانيا تمثلت استراتيجية ديفيد كاميرون في تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع التغيرات السلبية التي تطرأ على سلوك الطلاب ومن شأنها ينخرط في الجماعات الإرهابية.وتعد منظمة “الناس ضد التطرف العنيف” في استراليا من أكبر المنظمات شيوعاً واهتماما بدور الأفلام وقصص الآخرين في رفع الوعي بمخاطر التطرف.

وتعد المواجهة الإلكترونية من أهم آليات تحصين المجتمع، وقد تم التواصل مع شركات جوجل وفيسبوك لمناقشة آليات تتبع حاسبات هؤلاء المتطرفين لملاحقة خطتهم ومنعهم من الترويج لأفكارهم. وتشن فرنسا وبريطانيا وأمريكا حملات إغلاق لمواقع الكراهية باستمرار.

ويرى المؤلف أن الاهتمام بالمرأة من آليات تحصين المجتمع الهامة؛ حيث تشكل النساء 10% من جملة المقاتلين في صفوف داعش وبلغ عددهم نحو 20 ألف ونجد أن دولة بريطانيا تقدم المنح المباشرة إلى منظمات المجتمع بهذا الإطار.

في حين قامت المغرب بإطلاق تجربة فريدة فقامت بإنشاء مركز يتبني تخريج مرشدات وواعظات تتولى نشر صحيح الدين.من جهة أخرى، شجع المغرب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وذلك من خلال خلق فرص عمل ومكافحة الفقر و قامت الحكومة بإطلاق برنامج من أجل تنظيم كيانات بديلة للتطرف ومنها مجلس ديني بأوروبا للجاليات المغربية ، وتقديم الدعم لجماعة البودشيشية الصوفية .

وفي مجال خلق البديل، تشجع بريطانيا مؤسسات مثل منتدى المسلمين في بريطانيا لدعم الإسلام غير المتشدد وإيجاد بدائل أخرى بالمجتمع. كما خصصت الحكومة الروسية صندوق الكرملين لدعم الثقافة الإسلامية وشجع بوتين رمزي قاديروف الرئيس الحالي للشيشان نظرا لتوجهه الصوفي، لكن المؤلف يقر بأن دعم الجماعات الصوفية من قبل الحكومات العربية والغرب لم يخل من تسييس واضح، حيث يدرك هؤلاء أن أطماعها بالسلطة نادرة مقارنة بتنظيمات الإسلام السياسي.

أما في أمريكا فقد انطلقت مبادرات منها “من قرين إلى قرين : تحدي التطرف” شارك بها طلاب من أكثر من 95 جامعة بأفكار لمحاربة التطرف عبر تطبيقات الهواتف الذكية.

وأخيرا نجد أن هولندا قد أنشأت نظام “الإمام الصديق” الذي يربط بين الأئمة الأجانب والمتطوعين المحليين لتقديم فهم أفضل للمجتمع الهولندي، وفي ألمانيا دشن شاب من أصل مغربي مبادرة “التحول 180 درجة” للتوعية والتواصل مع ذوي الميول المتشددة لمساعدتهم على إيجاد عمل والنجاح بالحياة.

ويلاحظ مؤلف الكتاب أن المراكز الأوروبية لدراسة التطرف أكثر تطورا من نظيرتها العربية، ومنها مركز ICSR البريطاني ومعهد أثينا ، كما كونت مجموعة من 14 مؤسسة أوروبية تحالفا باسم “العائد” لمكافحة التطرف

وفي كتاب ماجد نواز ، البريطاني من أصل باكستاني،والذي حكم عليه في قضية حزب التحرير الإسلامي في مصر بالسجن خمس سنوات ، فيروي كيف غيرته السجون المصرية وعدل عبر لقاءات واسعة بداخلها مع اسلاميين عن قناعاته السابقة، وصار منفتحا أكثر على الأفكار المعتدلة، ويشغل مدير مؤسسة “كويليام” لمكافحة التطرف (9) .

يذكر أن العديد من مراكز مكافحة التطرف التي تم تدشينها عربيا،  منهم مركز أكايديمي لمكافحة التطرف تابع لكلية الدفاع الوطني الملكية بالاردن ، ويستهدف جمع الجهات المدنية والعسكرية المعنية بمكافحة التطرف حول العالم وفتح خطوط التعاون والتنسيق وبناء استراتيجية  لمكافحة التطرف، والمركز تأسس بتمويل من الحكومة اليابانية ويمنح الماجستير في دراسات التطرف.

 

الهوامش:

    1. ملحق “تقرير المستقبل” عن دورية “اتجاهات الأحداث” العدد 22 يوليو – أغسطس 2017
    2. موقع مركز “اعتدال” الإليكتروني
    3. تغطيات صحفية لقمة الرياض مايو  2017
    4. عبدالله الرشيد: “السعودية في مواجهة الإرهاب”، مقال منشور بصحيفة الشرق الأوسط 9 مارس 2014
    5. الموقع الإليكتروني لمركز هداية
    6. موقع السكينة الإماراتي ، صفحة عن مبادرات “صواب”
    7. الموقع الإليكتروني لمرصد الأزهر الشريف
    8. مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في 9 نوفمبر سنة 2017 على الرابط التالي: http://www.un.org/apps/news/story.asp?NewsID=58063#.Wgyj8miCw2w
    9. يوسف ورداني: “الخبرات الدولية والإقليمية في مكافحة التطرف”، القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية، 2017