سوسيولوجيا العنف

الإرهابي الرافض لعالمه..دراسة اجتماعية ونفسية

 


“هل مازالت البشرية لم تعِ بعد مخاطر العنف والإرهاب من مآس وكوارث، أم أننا مازلنا لم نتسامح مع ذاتنا أولا ومع الآخر ثانيا؟

بهذا التساؤل، انطلق كتاب “سوسيولوجيا العنف والإرهاب”، عن دار “الساقي” والذي صدر عام 2016 وأعيدت طباعته مؤخرا، للمؤلف إبراهيم الحيدري، عالم الاجتماع العراقي، والذي يقترب من ظاهرة العنف نظريا وعلى أرض الواقع.

لأول مرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي الحديث، تتصاعد وتائر العنف والإرهاب كما ونوعا وتكاد تمتد على رقعة جغرافية واسعة من المغرب حتى إندونيسيا لتصل إلى مناطق ودول وحضارات بحيث تتحول إلى مصدر خطر كبير على حياة الناس واستقرارهم وعلى العالم وعلى السلام فيه.

ويلفت الكاتب إلى أن القرآن الكريم وردت به كلمة “الإرهاب” بمعنى أخلاقي، وهو أيضا الحاصل باللغة العربية التي استخدمت كلمة “رهبة” للتعبير عن الخوف المقترن بالاحترام والتقدير وليس التهديد والرعب، كقوله تعالى : “واضمم إليك جناحك من الرهب” القصص : 32، أو “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله” الأنفال : 60.وهذا بخلاف اللغات الأوروبية التي اشتقت كلمة إرهاب من مادة الفعل اللاتيني Tres ويعني خاف ورجف وارتعب.

وقد لجأ النبي محمد – ص- غالبا لسياسة اللاعنف، خاصة في حلف الفضول ودستور المدينة وصلح الحديبية وعفا عن مشركي مكة بعد فتحها، ومن هنا فقد وضع التسامح كقاعدة، أما العقاب فكان استثناء وردا للعدوان، ولكن العنف المقنع مورس لاحقا بصور عديدة بالتاريخ الإسلامي على خلاف هذا المنهاج الراشد.

وينتقل الكتاب بين تفسيرات الفلاسفة على مر العصور لشخصية الإنسان العنيف، ومنها مثلا إرجاع فرويد العنف لعجز الأنا عن التكيف مع الدوافع الغريزية مع مطالب المجتمع وقيمه، وعجزها عن القيام بعملية التسامي من خلال استبدال الدوافع العدوانية بأخرى مقبولة مجتمعيا، وهو يعتبر أن غريزة العدوان فطرية وغير مكتسبة، ورسالة المجتمع هي تهذيب هذه الغريزة، أما علماء الاجتماع فينظرون للدوافع المحيطة بعملية العنف، فقد يرتبط نشاط العنف مثلا بفشل منظومة القيم بالمجتمع، دينيا وأخلاقيا، في تحقيق التوازن الاجتماعي والنفسي، وكذلك انعدام الحرية والاستقلالية والاضطهاد السياسي والكبت الجنسي وشيوع الحروب والفقر والجريمة، إلى جانب التراث الثقافي الذي قد يحرض على العنف.

وقد عبر فلاسفة الإسلام ايضا عن تغلغل صفة العنف بالمجتمعات البشرية ومنهم ابن خلدون الذي اعتبر أنه صفة مرتبطة بالعصبية للدم والمقربين، فيما قال المتنبي : والظلم من شيم النفوس فإن تجد .. ذا عفة فعلة لا يظلم

من هو الإرهابي؟

الإرهاب هو استخدام أو التهديد باستخدام العنف بصورة غير اعتيادية لتحقيق غايات سياسية أو أفعال إرهاب عادة ما تكون رمزية لتحقيق تأثير نفسي أكثر منه تأثير مادي، وبحسب عالم الاجتماع إريك موريس، وبحسب علم النفس الاجتماعي فإن الإرهابي شخص عصابي، أي أنه مريض فقد المرونة والتفاهم والتسامح في التعامل مع الأمور، ولا يجد حلا آخر لقضية تسيطر عليه سوى هذا الحل القسري، حتى لو اقتضى الأمر تدمير الذات.

وفي القرن العشرين استخدمت هذه الكلمة لأول مرة لوصف المخالفين لقوانين الحرب، والمعارضين بمنظمتي أرغون وشتيرن، من قبل سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين والتي شنت حملة واسعة للقضاء على الهجمات الصهيونية التي استهدفت مدنيين فلسطنيين، فيما استخدمت الكلمة عام 1977 على غلاف مجلة “التايم” عنوانا لمقال عن المعارضين السياسيين لحكومة الاتحاد السوفيتي وبعض الدول الأوروبية، قدمها جيمي ويلز.

وقد عرفت لندن أول قنبلة على يد أحد أعضاء إحدى الجمعيات الأيرلندية عام 1883، وشهدت روسيا أول هجوم انتحاري على رئيس الوزراء عام 1887، أما أول شحنة ديناميت فقد وضعت بطائرة عام 1907 من قبل المتطرف بوريس سافنكوف، وأول سيارة مفخخة فكانت بوول ستريت بنيويورك عام 1920.

وهناك مصادر متعددة للإرهاب وأهمها: الأيديولوجيات الدينية المتطرفة، والقومية الشوفينية، الجماعات الفوضوية، وأيديولوجيات اليمين المتطرف، ومن هنا عملت أوروبا لاستحداث آليات جديدة لمكافحة مشكلة العنف، ومن ذلك تطوير شبكة التوعية عام 2011، وإنشاء “مركز أوربي للمعلومات”.

وقد شهد العالم الغربي ضلوع مواطنيه بعمليات عنف خطرة، ومنها منظمات إرهابية نازية بالمجر، وانتحاريون بالسويد، ومنظمة “الفجر الذهبي” باليونان، غير المواطنين الأوربيين المنضمين لمنظمات جهادية كما في سوريا وغيرها، وهؤلاء يتحولون في المستقبل لمصادر تهديد للأمن الأوروبي والعالمي.

أطياف العنف

والفرق بين الإرهاب والعنف، هو أن الإرهاب عنف منظم مقنن يهدف لتحقيق غايات محددة، من دون استخدام قواعد ومعايير أخلاقية. وأحيانا يكون العنف مشروعا، حين يكون مقاوما للاحتلال والقهر، كما يجري في فلسطين، حيث تقوم الصهيونية وأداتها القمعية إسرائيل باعمال قتل وهدم وتشريد وإبادة للشعب الفلسطيني الأعزل.

وهناك صور، تتفق مع الإرهاب في العنف، وإن اختلفت بجوهرها، كحرب العصابات، والحروب الثورية والمقاومة الشعبية ودكتاتورية الدولة وغيرها. وإذا ما نظرنا لحرب العصابات فقد بدأت مع ماو تسي تونغ، الذي رأى أن تطبيق سياسة ستالين وأفكاره أدى لإجهاض الثورة في شنغهاي عام 1936، وقد طور أداة لتحويل جموع الفلاحين لثوار وخلق الإرادة السياسية عندهم، لمواجهة الأعداء. ونجحت حروب العصابات بأمريكا اللاتينية وقد حاول تشي غيفارا نقلها لبوليفيا على نمط كاسترو في كوبا، وكان يدعو للتمييز بينها وبين الإرهاب الذي لا يميز جموع المدنيين ويسعى لثأر شامل.

ويؤكد فلاسفة أوروبا وبينهم ماكس فيبر مثلا أن الدولة المعاصرة هي الوحيدة التي تحتكر العنف المادي المشروع بحيث لا تسمح لأي فرد أو جماعة بممارسته إلا بتفويض منها، فالدولة هي التجمع السياسي الذي يسعى لحفظ النظام الداخلي للمجتمع من الأخطار.

المؤلف يشير أخيرا إلى أن التصدي للعنف لن يكون في ظل أسر تنشيء أولادها على العدوانية والتسلط، أو تجعل منهم خاضعين للاتكال على الآخرين أو مقموعين، ولن تكون بمدرسة لا تتيح حرية ممارسة التفكير والاستقلالية والتسامح والإبداع، أو مؤسسة دينية تحض على الكراهية، وسلطة لا تحترم المواطنة ولا تفعل الحقوق الواجبات، وبالتالي فإصلاح هذه العوامل هو البداية الصحيحة لمواجهة التطرف بمجتمعاتنا.