تراث الاعتدال .. وانحرافات الغلاة ..

قراءة في أسباب التطرف ومبادئ جماعاته

تعددت وتمايزت انواع وجماعات التطرف والتطرف العنيف، ولكن يجمع بينها اتفاقها في تجاوز الحد والغلواء دون التوسط، فكان بعض التطرف مؤديا للخروج عن الجماعة والمجتمع المسلم وضدها في الآن نفسه، وإن لم يكفرهم جمهور الأمة الرافض للتكفير والنافر منه مكتفيا بوصفهم بما هم ك” فرقة ضالة” حسب التعبير الشائع في ردود علماء المملكة العربية السعودية وكذلك المؤسسة الدينية المصرية وغيرهم من علماء الأمة عليهم، فشيمة أهل السنة وحسنتهم أنهم يخطئون ولا يكفرون، وعرف عن جمهور السلف نفور وتنفير شديدان من تكفير المعين بالخصوص، ووصف إنسان بأنه كافر، حتى ولو كان من الفرق المخالفة أو غيرهم، بل قبلت الأمة بعدالة بعض المنسوبين لهذه الفرق، طالما لم يجرح بكذب كابن الكلبي وأبي مخنف وغيرهم.

هذا، بينما لا تتورع جماعات التطرف والغلو- قديما وحديثا- على وصف معارضيها ومخالفيها والمعترضين عليه بل والمنشقين عنها وبعضها بعضا بتهم الردة والكفر جميعا، وتاهت بهم غلواؤهم في كل صوب واتجاه، معارضة للسلطة ولاستقرار المسلمين وحربا على الاجتهاد والتجديد ورجالاته في كل زمان ومكان.

وقد وضع أهل السنة والجماعة- منذ قديم وليس مع صحوات التطرف وغلوائه في العقود الأخيرة فقط- أسسا وقواعد تقى وتحمي من غلواء التطرف وتمكن للاعتدال والتوسط تحيقا لصفة” الأمة الوسطا” يمكننا أن نذكر منها ما يلي:

  • رفض التكفير والغلو والاهتمام بتدوين وتقعيد العلم ومناهجه بعيدا عن التأويلات المنحرفة بين تيه الباطنية أو حشويه الظاهرية في فهم الدين.
  • الاعتدال في الممارسات ورفض خروج الغلاة وشهاة السلطة والإمامة وتركيزهم على العلم التعليم والنصيحة والدعوة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
  • التمكين لأدب الاختلاف حتى ترك فقهاؤنا وأئمة السلف حتى القرن الثالث الهجري ما يربو عن السبعين كتابا في أدب الاختلاف وآدابه.
  • المصالحة الرشيدة بين النقل والعقل وبين الوحي والفطرة.

ومن هنا بينما أنهكت ووأدت الفتن والحروب جماعات الغلاة في كل عصر، ولم تقم لهم دولة إلا كبت ولا ثورة إلا خابت، ساد مذهب أهل السنة والجماعة عند جماهير الأمة وحكامها، فتمدد رأسيا وأفقيا، وكان الأسبق والأوسع تدوينا وتعليما وتقعيدا من سواه .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية تعبيرا عن ذلك في (منهاج السنة النبوية): (إن الخروج على أئمة الجور كان مذهبًا قديمًا لأهل السنة ثم استقر الإجماع على المنع منه)[1] وقال أيضا: ” هذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَقِتَالَهُمْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ  ظُلْمٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ; لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الْحَاصِلِ بِظُلْمِهِمْ بِدُونِ قِتَالٍ (3) وَلَا فِتْنَةٍ فَلَا يُدْفَعُ أَعْظَمُ الْفَسَادَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا  وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ طَائِفَةً خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ، إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ”[2]، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.

هكذا استقر منهج السلف وأهل السنة والجماعة على تجاوز خلافات الإمامة واعتبارها من ثانويات وفروع الاعتقاد  وليست من أصوله كما هو عند غيرهم كفرق الخوارج أو الشيعة، كما ان الموقف من تأييد الفتن مائزا وعلامة التفاضل بين العلماء، قبولهم وتراجع مكانتهم، حيث كانت الدعوة للخروج أو المشاركة فيه تتنزل بمكان العالم والداعية، يقول ابن عون عن مسلم بن يسار: ” كان لا يفضل عليه أحد في زمانه” ويضيف في تراجع منزلته عند أهل البصرة بعد دخوله في فتنة ابن الأشعث: ” كان مسلم بن يسار أرفع عند أهل البصرة من الحسن البصري، حتى خف مع ابن الأشعث، [3]وكف الحسن، فلم يزل أبو سعيد، أي الحسن البصري في علو منها”[4]“.

أسباب التطرف..والفهم الصحيح للدين:

هناك أسباب للتطرف وأمراضه تعارض السنة الصحيحة وما استقر عليه منهج أهل السنة والجماعة والفهم الصحيح للدين كما استقر عند علماء السلف، الذين تجنبوا التكفير والتأويل المنحرف والخوض فيما تجنب السلف الخوض فيه، من مسائل غيبية لا يمكن الحسم فيها، وطوروا فكرهم وفقههم في السياسة نحو مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والأموال، كما ذكر أمثال الشاطبي والقرافي، وإن كنا نجده كثيرين لدى الكثير من المجددين قبلهما، كما تجنبوا الخروج على الحاكم والصراع على الإمامة والسلطة كما سبق أن ذكرنا، ولكن التطرف المعاصر – منذ نشأته آواخر عشرينيات القرن الماضي- تتجاهل هذه القواعد أو تجهلها وتصر على تأويلها الخاص بالحاكمية، التي تحاول تلبيسها لباسا شرعيا، رغم إقرارها بحداثتها بدعية لفظها، وتشابهها مع عقيدة الإمامة الشيعية والتحكيم الخارجية، أو غيرها من المسائل كما سنعرض فيما يلي:

  • الإمامة .. أصل الفرق بين الفرق

خرجت أول الفرق المتطرفة في التاريخ الإسلامي، من أتون صراع الإمامة والسيادة والسلطة، فقد كان مقتل عثمان رضى الله عنه،  أول الفتن، وتداعت بها  الفتنة الكبرى بين أمير المؤمنين على رضى الله عنه وبين معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه، وتبلورت عقائد الفرق حول” الإمامة والخلافة” بعد ذلك، وكل منها يدعي أنه أهل الحق والعدل، ولم يكن رهان أهل الحديث أو أهل السنة والجماعة إلا رهانا على الأمة إلا الكتاب والسنة، وما ترك النبي صلى الله عليه وسلم عليه الناس، فاعتزلوا الفتن وصار قولهم واعتقادهم فاصلا بين الدين وما كان عليه النبي وصحبه والسكوت عما بدر بينهم من خلاف، وبين التاريخ ورفض أن يكون اعتقادا..فكان تقليدهم حفاظا ومحمودا لبناء الدين واستقرارا لسلطان الدولة..

غالى البعض في تطرفهم في الإمامة حتى كانت الفارق بين الفرق كما يقول عبد القاهر البغدادي في كتابه عنها، ولم يسل سيف في الإسلام كما سل على الإمامة كما يقول الشهرستاني في الملل والنحل، وتبلور لبعضهم مع نظرتهم العقدية والسياسية فيمن هو الأحق بالإمامة والموقف من مخالفيه، مبادئ في صلب العقائد من مسألة توحيد الله في أسمائه وصفاته أو القدر أو خلق القرآن إلى غيرها من المسائل، التي كانت لاحقة وليست سابقة على الخلاف في مسألة الإمامة والخلافة..

وعن مكانة الإمامة في الاعتقاد الإسلامي السني، قياسا لغيره من الفرق الأخرى، ابن تيمية في سياق رده على ابن المطهر الحلي في منهاج السنة النبوية “إن قول القائل إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين سنيهم وشيعيهم، بل هذا كفر فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هو الذي قاتل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار أولا كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وفي رواية ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وقد قال تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (سورة التوبة). فأمر بتخلية سبيلهم إذا تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وكذلك قال لعلي لما بعثه إلى خيبر، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في الكفار فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر لا يذكر لهم الإمامة بحال، وقد قال تعالى بعد هذا فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين (سورة التوبة). فجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يذكر الإمامة بحال ومن المتواتر أن الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة”[5] ويقول أيضا مستدلا باهتمام القرآن والحديث بالمسائل المختلفة في الشرع، كيف يأتي ذكرها متأخرا وأقل كثيرا من ذكر هذه المسائل، يقول ابن تيمية:

“فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله أعظم من غيرها، وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها والقرآن مملوء بذكر توحيد الله وذكر أسمائه وصفاته وآياته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقصص والأمر والنهي والحدود والفرائض بخلاف الإمامة فكيف يكون القرآن مملوءا بغير الأهم الأشرف وأيضا فإن الله تعالى قد علق السعادة بما لا ذكر فيه للإمامة فقال ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (سورة النساء).

 

وقال” تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين” (سورة النساء). فقد بين الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيدا في الآخرة ومن عصى الله ورسوله وتعدى حدوده كان معذبا فهذا هو الفرق بين السعداء والأشقياء ولم يذكر الإمامة فإن قال قائل إن الإمامة داخلة في طاعة الله ورسوله قيل غايتها أن تكون كبعض الوجبات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما يدخل في طاعة الله ورسوله فكيف تكون هي وحدها أشرف مسائل المسلمين وأهم مطالب الدين”[6] ويضيف رحمه الله واضعا الشرع في يد الأمة لا في يد الإمام معصوما أو منصبا: “فإن قيل لا يمكننا طاعة الرسول إلا بطاعة إمام فإنه هو الذي يعرف الشرع قيل هذا هو دعوى المذهب ولا حجة فيه ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل على سائر أصول الدين، وقد تقدم أن هذا الإمام الذي يدعونه لم ينتفع به أحد في ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ما جاء به الرسول لا يحتاج في معرفته إلى أحد من الأئمة الوجه الثاني أن يقال أصول الدين عن الإمامية أربعة التوحيد والعدل والنبوة والإمامة فالإمامة هي آخر المراتب والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك وهم يدخلون في التوحيد نفى الصفات والقول بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر وأن الله لا يقدر أن يهدى من يشاء ولا يقدر أن يضل من يشاء وأنه قد يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء وغير ذلك فلا يقولون إنه خالق كل شيء ولا إنه على كل شيء قدير ولا إنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لكن التوحيد والعدل والنبوة مقدم على الإمامة، فكيف تكون الإمامة أشرف وأهم وأيضا فإن الإمامة إنما أوجبوها لكونها لطفا في الواجبات فهي واجبة الوسائل فكيف تكون الوسيلة أهم وأشرف من المقصود، الوجه الثالث أن يقال إن كانت الإمامة أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين” [7].

وقد أشار كثير من متقدمي أهل السنة والجماعة كإمام الحرمين لجويني في الإرشاد والغزالي في المستصفى وابن تيمية في منهاج السنة- كما ذكرنا- أن مسألة الإمامة والقتال عليها والخروج لأجلها لم تصب أهل الحديث والسنة والجماعة إلا تأثرا بالفرق الخارجة الأخرى، ولكن عجبا أن البعض قد وضع مسألة الحكم والحكومة في مقدمة مسائل الدين وقبل مسائل الاعتقاد والعبادة عموما.

 

  • اعتماد المتشابه وتأويل المحكم

يتبعون المتشابه، ويدورون معه حيثما دار، ويُجادلون دونه، فيسيئون فهمه وتفسيره، ويردون به المحكم من الشريعة .. ويجعلونه حكماً على المحكم، وليس العكس.

والمتشابه الذي يتبعونه من جهتين: من جهة فهم واتباع النص الشرعي؛ فيتبعون المتشابه منه، ومن جهة فهم الواقع الذي يريدون حمل النص الشرعي عليه، حيث يكون فهمهم للواقع متشابهاً أيضاً .. أو الواقعة التي يريدون تنزيل النص عليها متشابهة حمالة أوجه ومعانٍ وتفاسير؛ غير محكمة وواضحة .. أو من الجهتين معاً؛           فيستدلون استدلالاً خاطئاً .. على واقعٍ خاطئٍ .. ليتبعه فعل خاطئ .. ثم هم بعد ذلك يحسبون أنهم ممن يُحسنون صنعاً!

كما قال ابن عمر رضي الله عنه:” إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فحملوها على المؤمنين ” البخاري. فأجروا فيهم أحكام الكافرين!

قال تعالى:[ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ]آل عمران:7.

قال ابن كثير في التفسير: عن أبي أمامة الباهلي، يُحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى:[ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ]؛ قال:” هم الخوارج “ا- هـ.

وعن ابن عباس، وذُكر عنده الخوارج، وما يلقون عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه[[8]].

وعن علي رضي الله عنه أنه سُئل عن هذه الآية:[ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ]الكهف:103. قال:” لا أظن إلا أن الخوارج منهم “[[9]].

ومن استدلالاتهم الخاطئة المتشابهة التي حملتهم ظلماً وعدواناً على قتال علي رضي الله عنه، ومن معه من المؤمنين، قولهم: أن علياً حكّم الرجال في أمر الله عز وجل، وقد قال تعالى:[ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ]يوسف:40. فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟

ثانياً: أنه قاتل ـ أي معاوية ومن معه من الصحابة ـ ولم يسبِ، ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل لنا قتالهم، وسباهم.

الثالثة: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين ـ أي لما كاتب وأراد الصلح مع معاوية ومن معه من أهل الشام ـ إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنه لأمير الكافرين!

وكان ابن عباس رضي الله عنه قد سمع مقولتهم هذه، فأجابهم في مناظرة مشهورة له معهم، فقال: أما قولكم حكّم الرجال في أمر الله عز وجل، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عز وجل ما ينقض قولكم أفترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: فإن الله عز وجل قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب، وتلا هذه الآية[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ]المائدة:95. إلى آخر الآية. وفي المرأة وزوجها:[ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ]النساء:35. إلى آخر الآية. فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل أم حكمه في أرنب وبضع امرأة؟ فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قال: خرجت من هذه. قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبون أمكم عائشة؟ والله لئن قلتم: ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم نستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين الضلالتين. إن الله عز وجل قال:[ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ]الأحزاب:6.  فإن قلتم: ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون يوم الحديبية، كاتب المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو فقال: يا علي، اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال المشركون: والله لو نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسولك. امح يا علي. اكتب هذا ما كتب عليه محمد بن عبد الله فوالله لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير من علي، فقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقُتلوا[[10]].

لذا جاء وصفهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم:” أنهم يدعون إلى كتاب الله، وليسوا من الله في شيء “.

فصل أئمة المسلمين في مفهوم التأويل واستخداماته والمقبول منه وغير المقبول، وعلاقة التأويل بالظاهر من القول، ورفض انحرافه الباطني، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الجهمية[11].

 

ينقسم التأويل عند شيخ الإسلام ابن تيمية لثلاثة أنواع نوجزها فيما يلي:

  • بمعنى الحقيقة الخارجية والأثر الواقعي المحسوس لمدلول الكلمة، وهذا هو المعنى الذي تحدث به القرآن في كثير من الآيات
  • استعماله بمعنى التفسير والبيان.
  • استعماله بالمعنى المحدث، وهو صرف النظر عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ لدليل يقترن به مع قرينة مانعة، من المعنى الحقيقي[12] وهذا النوع الأخير هو الذي يتحدث به الفقهاء ورجال الأصول في مسائل الخلاف، وهو الذي يستخدمه المتكلمون في تأويل آيات الصفات، وهو الذي تحدث به الغزالي في” إلجام العوام” و”فيصل التفرقة” و”قانون التأويل” و”الإحياء” وابن رشد في” فصل المقال” و” مناهج الأدلة”[13]

وقد ذهب التأويل الباطني لمسارب ومسارات هوت بأصحابها، فقد بدأت بعض الفرق تأويلها بما تراه صوابا، ولكن انتهت للخروج منه كلية بل مفارقة هذا الدين بالكلية، هكذا كان المختار بن عبيد الله الثقفي( المقتول سنة 67 هجرية) والذي خرج بثورته ثأرا لدم الحسين بن على رضى الله عنهما، وقتل قاتليه فقتل عبيد الله بن زياد وعمرو بن سعد وغيرهم، ولكن ما لبث أن ادعى النبوة ثم ادعى الحلول وقتله مصعب بن الزبير..في هذا التاريخ، وهو الكذاب المقصود بالحديث المروي عن النبي محمد حيث يقول «إن في ثقيف كذابًا ومُبِيرًا». كما يعتبرونه صاحب مذهب الكيسانية، ويروون عن رفاعة القباني بأنه دخل على المختار يومًا، فألقى المختار له وسادة، وقال “لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك”.[[14]] وكما يروون عن ابن عمر أنه قيل له بأن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق تعالى ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ( سورة الأنعام-121) وكذلك يروون عن أنيسة بنت زيد بن أرقم ان اباها دخل على المختار فقال له المختار يا أبا عامر لو سبقت رأيت جبريل وميكائيل فقال له زيد حقرت وتعست أنت أهون على الله من ذلك كذاب مفتر على الله ورسوله [[15]]

وكذلك أغلب الغلاة من الفرق ما أودى بها غير التأويل ومجاوز الحد والشرع والثابت من نصوص الشرع..وواصلوا التأويل وتمادوا فيه حتى ضلوا وأضلوا، فقال بعضهم بالحلول وقالوا بالاتحاد وجعلوا الدين أسرارا باطنية تسير من أصل إلى نسل، ومن أب لابن، وخاضوا في قضايا ومسائل ما تكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أنزل الله بها من سلطان، ومن المهم أن نشير إلى أن كثيرا من مسائل التأويل ارتبطت بمسائل المهدوية والخلاص والرجعة وما شابه من أفكار غريبة عن الإسلام، فهي ارتبطت بالإمامة، فتعصبت كل فرقة وجماعة لإمامها وقدسته وجعلته رمزا ارتفع فوق البعض حتى مراتب النبوة والألوهية.

  • التنطع في الدين:

يبدو على اغلب المتطرفين سيما التعبد والزهد والاجتهاد في العبادة، خاصة في أول أمرهم، ولكن تشوه باطنهم وانحرف اعتقادهم وغالوا في دينهم، وهذا مفتاح مغلاق المتدينين، في كل أمة، حيث لا يستجيبون إلا لمن يظهر عليه سيما الصلاح، ولا ينتبهون نادرا لما يقول ولتأويله ولفساد فهمه واعتقاده.

من هنا كان البعض رأى عدم الحرب على الخوارج رغم أن الحديث النبوي كشف هذا التناقض بين ظاهر العبادة ومروق الاعتقاد، ووصفهم في أحاديث عدة بأنهم:” يتعمقون في الدين .. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء .. ولا ترون جهادكم مع جهادهم شيئا “!

ولما ذهب ابن عباس لمناظرة الخوارج المتطرفين، قال: فدخلت على قومٍ لم أر قوماً قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قُرّحت من السجود، وأيديهم كأنها بقر الإبل، وعليهم قمص مرحضة مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر، فسلمت عليهم فقالوا : مرحباً يا ابن عباس[[16]]، ما جاء بك … الخ

وهذه الصفة لهم كانت تخيف الصحابة ومن بعدهم؛ إذ كيف يُقاتلون قوماً قد عُرفوا بالتعمق بالدين، وكثرة التعبّد!

فكان علي رضي الله عنه يقول لهم:” كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً، ولا تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحداً، فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب “.

وفي الحديث عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه،

عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرّ برجلٍ ساجد وهو منطلق إلى الصلاة، فلما قضى الصلاة ورجع إليه وهو ساجد! قال النبي صلى الله عليه وسلم:” من يقتل هذا “؟ فقام رجل فحسَر عن ذراعيه، واخترط سيفه وهذّه، ثم قال: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي كيف أقتل رجلاً ساجداً، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد عبده ورسوله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من يقتل هذا “؟ فقام رجل فقال: أنا، فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفه حتى رعدت يده، فقال: يا رسول الله كيف أقتل رجلاً ساجداً، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد عبده ورسوله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أما والذي نفسي بيده، لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها “[[17]].

لذا كان غالب الذين يُفتنون بالمتطرفين من صغار المسلمين، إنما هو لهذا السبب؛ لما يرون منهم من تعمق،  وغلو في الدين، واجتهاد في العبادة لا يبارَون فيه …! يهجرون أهليهم وذويهم ويفاصلونهم ويخرجون لأهل التطرف ودياره مقاتلين لأمتهم وجماعتهم خارجين عليها.

  • شبهة التعبد وظاهر الصلاح عند المتطرفين:

إن الجهل يضاد الفهم أو مخالفة الصواب، ولا يضاد الإخلاص، فقد يكون بعض الغلاة مخلصين ولكنهم مخطئون، ومتعبدين ولكن متطرفون، وهو ما أكده ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قوله: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) ) متفق عليه . هذا الوصف الإيجابي يدل على شدة عبادة هؤلاء وتبتلهم لربهم، إلا أن هذا التبتل غير شافع لهم لما خالطه من تكفير للمسلمين وإلحاق الأذى بهم، وترك جهاد الكافرين، وفوق ذلك تحريفهم لكتاب الله عز وجل وتحميله من المعاني ما لا يحتمل، وما اتفق المسلمون على نفيه عنه وتنزيهه منه .
ولكن لنا هنا ملاحظة مهمة وهي أن العباد والمتعبدين عرفوا في كل فرقة حتى في المعتزلة اكثر الفرق الإسلامية قربا للعقل، قد وصفهم شاعرهم أصحاب واصل بن عطاء بقوله:

تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم … على عمة معروفة في المعاشر

وسيماهم معروفة في وجوهم … وظاهر قول قي مثال الضمائر

وفي قص هداب واحفاء شارب … وكور على شيب يضيء لناظر[18]

وكان من المعتزلة ممن اشتهر بالزهد والتعبد ك حاتم الأصم وأبي الوليد البلخي والهذيل العلاف وغيرهم.

وعرفت كتب السنة الكثير من العباد والأولياء، والزهاد، وكتب أبو نعيم حلية الأولياء، وكتب أبو طالب المكي قوت القلوب والغزالي الإحياء ، وكان الحسن البصري يصف العبادة عند أهل السنة، وهو يرسم صورة المؤمن عند أهل السنة: ” إن المؤمن قوم ذلل، ذلت والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل وأنهم لأصحاء القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وأن من لا يعتز بعز الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات، هذا نهارهم فكيف ليلهم؛ خير ليل: صفوا أقدامهم وأجروا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله ؟

 

  • التعصب والتشدد على المخالفين:

يتجاهل التطرف المعاصر، منظروه وجماعاته، باب وتراث الاختلاف الفقهي وآداب الاختلاف في المسلمين، كما يتجاهلون الكثير من مجالات التراث الأخرى مثل علم أصول الفقه أو مقاصد الشريعة.

ورغم تكفير أول المتطرفين الخوارج لكبار الصحابة، وفي مقدمتهم على بن أبي طالب رضى الله عنه، إلا أن عليا وكبار الصحابة لم يكفروهم! بل روي أنه أمر بالإحسان لقاتله ابن ملجم قبل القصاص منه، هذا هو سيما الوسطية والاعتدال سمة هذه الأمة ولكن المتطرفين لا يعلمون..يكفرون ويستحلون ويتهمون ويحتكرون الحق والإيمان دون سواهم..

أما موقف أهل السنة والجماعة، فهو ما يوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرفض التكفير بسبب ابتداع بعض الفرق، التي يصل بها الأثر للثلاثة وسبعين فرقة، ويرى أنه لا يجوز تكفيرها لمجرد بدعتها، فيقول في نص تأسيسي واضح وتأصيلي في هذا السياق:

“المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها ولو دعا الناس إليها كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا، فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا على بن أبى طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الاثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه” [19].

ويضيف ابن تيمية حتى لا يقول قائل هو يرميهم في النفاق الذي هو في النار: “وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الاثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل إجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات.”[20]

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- اتساق هذا الرأي مع مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فيقول في الفتاوى أيضا: “أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال: إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية، الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة وإن كانوا جهالا وظلمة فاسقين”[21]، وفي هذا النص الأخير، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة وإن كانوا متهمين بالجهالة والظلم والفسق

وفي الحديث،  صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين “[[22]]. والغلو في الدين؛ هو كل ما زاد حده عن المشروع المنصوص عليه في الكتاب والسنة.

وقال صلى الله عليه وسلم:” إنّ الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبَه ” البخاري.

قال ابن حجر في الفتح 1/117: المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع، فيُغلَب ا- هـ.

وقال صلى الله عليه وسلم:” عليكُم هدياً قاصِداً[[23]]، فإنَّهُ من يُغالِب هذا الدينَ يغلُبُه “[[24]].

وقال صلى الله عليه وسلم:” إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه ” البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم:” إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، ومَا لا يُعطي على ما سواهُ ” مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحْرَمِ الخيرَ ” مسلم.

ينقل ابن تيمية عن الفضيل بن عياض ينقل ابن تيمية عن الفضيل بن عياض قوله: أحسن العمل”  أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة[25]

ولكن المتطرفين يغالبون الدين، ويغالبهم، وليست  غلبة الدين لأهل التطرف والتشدد إلا كشف تطرفهم، وزيف دعواهم، ونفور الأمة منهم، وتعرية العلماء العدول لهم، العلماء العدول، كما ذكر الحديث، الذين ينفون عنه انحراف المنحرفين وتأويل المتأولين، خاصة وأن التطرف يتوالد من الأزمات وتتوالد منه، داخل كل فرقة ودين وثقافة ومجتمع.

داخل كل فرقة بعد تبلورها ظهر تطرف داخلها، ربما كان بمعنى التشدد الفرعي المذهبي، أو التشدد الفقهي والسياسي داخلها، والتعصب على مخالفيها، ووصلت بعض أنواع التطرف إلى مساقات ومسائل كتلك التي عرفت بها الفرق الأخرى، فكفرت الجماعات والحكومات، وخرجت عليها، وقامت بالتكفير واستحل بعضها تكفير المعين وقتله لمجرد الاختلاف، فوقعوا في المحظور وسقطوا على طرف من وسطية أهل السنة والجماعة، أو خلطوا ذاك بهذا، فتعصبوا لمسائلهم ولم يصلوا لمرتبة تكفير مخالفيهم، وإن استباحوا العنف منهجا للتغيير والدعوة لرؤاهم.

وكما عانت الدول الإسلامية من دعاوى الحاكمية، التي دشن لها المودودي وسيد قطب، في القرن العشرين، وعلى أساسها تأسس مبدأ تكفير الحاكم والخروج عليه،  كذلك خرج المتطرفون على أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه بفتنة التحكيم واعتبرته” شر البرية” وكانت أول فرقها المحكمة، الذين يرفعون شعار” لا حكم إلا لله”. وأسفا أيضا تماهت وتشابهت بهم بعض فرق أهل السنة.

يقول الخارجي عمران بن حطان( مات مختفيا سنة84 هجرية) في مدح ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين على بن أبي طالب:

يا ضربة مِن تقيٍّ ما أراد بها * * * إلا ليبلغَ مِن ذِي العرش رِضواناً

إني لأذكره يوماً فأحسبُه       * * * أَوفىَ البرية عند الله ميزاناً

أكرِم بِقومٍ بُطُون الأرض أقبرهم * * * لم يخلطوا دينهم بَغياً و عدواناً[26].

باسم الدين، وعبر تشوه فهمه إذا شئنا الدقة، يقتل صهر النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمه الخليفة الرابع الراشد، وأول المؤمنين حسب العديد من الآثار..

ومن عجب أن قتل على بن أبي طالب رضى الله عنه ظل عند الخوارج وشعرائهم مصدر الفخر كله لهم، فيقول شاعرهم أبو مياس المرادي في الفخر بقتل على:

ونحن ضربنا، يا لك الخير، حيدراً .. أبا حسن مأمومةً فتفطرا

ونحن حللنا ملكه من نظامه .. بضربة سيفٍ إذ علا وتجبرا

ونحن كرام في الصباح أعزة ..إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا[27].

وعبد الرحم بن ملجم المرادي، وقيل التجوبي، لأن أصله منسوب إليهم، وليس من مراد، قاتل على رضى الله عنه وكرم الله وجهه، لم تصلنا من أخباره وعن عقله وفكره الكثير، ولكن أورد الطبري وابن عساكر شعرا منسوبا إليه ينتقد به التسامح الإسلامي، الذي تمثل في المشاركة في جنازة أبجر بن جابر المسيحي، وقد أسلم ابنه حجار، فقال منتقدا مشاركة المسلمين ومواساتهم في هذه الجنازة:

لئن كان حجار بن أبجر مسلماً … لقد بوعدت منه جنازة أبجر

وإن كان حجار بن أبجر كافراً … فما مثل هذا من كفورٍ بمكنر

أترضون هذا أن قساً ومسلماً … جميعاً لدى نعش؛ فيا قبح منظر

فلولا الذي أنوي لفرقت جمعهم … بأبيض مصقول الرئاس مشهر[28]

وهو ما يكشف التعصب المبكر على الدين لدى هؤلاء، فبينما يشارك المسلمون الطيبعيون في تشييع جنازة، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف لجنازة يهودي، ينتقد هذا المشيعين ويهددهم” بأبيض مصقول الرئاس مشهر” ..بالقتل وليس غير القتل يرضيه!

  • الشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يشتد المتطرفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون فقه، وأحيانا تغلبهم شهوات الانتقام والكراهية على صحيح الدين وصالح الدنيا، وكان ابن تيمية رحمه الله يقول: اتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في المشهيات[29]، فقد قيل عن كثير من زعماء التطرف في كل زمن الكثير من الشبهات حول سلوكياتهم، وحول أغراضهم، وحول نفوسهم، قيل في عبد الرحمن بن ملجم وخطبته المرأة التي قتل أهلها في النهروان، في المعركة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين الخوارج الأول، وقيل في حمدان قرمط مؤسس القرامطة ما قيل وقيل في الحسن الصباح ما قيل، ليصح مع  هذا وغيره من الأمثلة أن اتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباعها في المشهيات، لأن الأولى تفسد دين الله والعياذ بالله وتفسد عبادة الناس وإخلاصهم، أما الثانية فمعصية يظل ذنبها يخص صاحبها إن كان ذنبا فرديا أو يخص جماعته من الناس إن كان ذنب جماعة.

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على ضرورة مراعاة المصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: ” إن الأمر والنهي- وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان هذا الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته” ثم يفصل رحمه الله في شأن الطائفة أو الشخص الجامعين بين المعروف والمنكر، وإذا كان المنكر أغلب أو المعروف أغلب أو تكافأ المعروف والمنكر لم يؤمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، وذلك في الأمور المعينة الواقعة[30] يقول ابن تيمية: ” ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة- مع حسن إيمانه وصدقه- وتعصب لكل منهم قبيله حتى تكون فتنة”[31]

 

وقد روى السيد محمد رشيد رضا في تقديمه لكتاب” اختلاف العلماء” لأبي عبد الله المروزي أنه بلغه أن رجلا كان يصلى بجوار رجل فرفع أحدهما السبابة أثناء التشهد، طويلا، فكسره من بجواره لأنه يرى أن هذا لا يصح في مذهبه، وأن أحد القوم قذف آخر في صدره أثناء الصلاة لأنه يرى القبض ولا يرى السدل، وكان يروي هذه الروايات وهو يقدم لكتاب في أدب الاختلاف حتى يعلمه القارئ، وذكر في هذه المقدمة أن سبعين كتابا في هذا الباب ألفها علماء الأمة وفقهاؤها في مسألة الاختلاف وآدابه وفقهه، ولكن ظل حق الاختلاف وأدب الاختلاف، والوعي بدرجات الاختلاف غائبا طويلا عن وعي كثير من أبناء الأمة والمتصدرين لدعوتها وقيادتها من جماعات التطرف دائما.

وقد بلغ التطرف والتشدد حدا ببعض المتعصبين مذهبيا، حتى أنه كانت تقام في الأزهر في أخريات القرن التاسع عشر، أربع جماعات للصلاة للمذاهب الفقهية الأربعة، ولم يجز بعضهم لبعض النكاح من أهل المذهب الآخر، ولم يجوزه شهادته في بعض الأحيان.. وهذه أمور أشار لها الكثير من مؤرخي القرن الماضي.

وقد وصل البعض بالاتهام والتكفير لمراتب تنافي الوسط دائما، في الشدة على المخالفين، وهو بعكس ما قال به أئمة السنة دائما وما عرف عنهم من تسامح وأدب عند الاختلاف، فنجد مثلا شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده للمرزوقية، وهي أحد فرق الحنابلة المنسوبة للشيخ أمد بن مرزوق، نجده رحمه الله يرفض تكفيرها غيرها من الطوائف قائلا: ” وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ تَكْفِيرُ الطَّائِفَةِ غَيْرَهَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا يَقُولُونَ: هَذَا زَرْعُ الْبِدْعِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا عَظِيمٌ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى قَدْ لَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْبِدْعَةِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الطَّائِفَةِ الْمُكَفِّرَةِ لَهَا؛ بَلْ تَكُونُ بِدْعَةُ الْمُكَفِّرَةِ أَغْلَظَ أَوْ نَحْوَهَا أَوْ دُونَهَا وَهَذَا حَالُ عَامَّةِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِنَّهُ إنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يَكْفُرُ كُفِّرَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ لَمْ يَكْفُرْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ فَكَوْنُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى وَلَا تُكَفِّرُ طَائِفَتَهَا هُوَ مِنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَصَّةٌ بِالْبِدْعَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يُكَفِّرُوا كُلَّ مَنْ قَالَ قَوْلًا أَخْطَأَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ اللَّهَ قَالَ: قَدْ فَعَلْت} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ} وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيْرُهُ “[32] وأكد رحمه الله على أن مذهبه ومذهب الإمام أحمد قبله ألا يكفر أحدا من أهل القبلة، كما فرق في حد الردة بين الردة المخففة التي يظل بها باب التوبة مفتوحا، والردة المغلطة التي يحاد بها صاحبها الله ورسوله وأمته ودولته، وإن كان يشترط في ذلك أن يقوم النائب أو نائبه بحده، حتى لا يتغول أحد على حق الإمام، ويقول رحمه الله موضحا الفرق بين قول الكفر والحكم بالكفر تأكيدا على خصوصية تكفير المعين وخطورة مسألته: ” ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه وذلك له شروط وموانع كما بسطناه في موضعه وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارا لم يكونوا منافقين فيكونون من المؤمنين فيستغفر لهم ويترحم عليهم”[33]، ويضيف في موضع آخر تأكيدا على ذلك:” وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه”[34]

كما قال شيخ الاسلام ايضا :” ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع[35].

وقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية” رسالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضبط فيها هذا الأمر الخطير عن الخبط والعشواء، بفهم واقعي فصل فيه مسائله، مؤكدا ما نص عليه القرآن، من أن شرط الخيرية لهذه الأمة مرهون بقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذين يمثلان أساس دعوتها، فيقول:  ” بين الله سبحانه وتعالى أن هذه الأمة خير الأمم للناس، فهم أنفعهم لهم، وأعظمهم إحسانا إليهم، لأنهم كملوا كل خير ونفع للناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، من جهة الصفة والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد، وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهذا كمال النفع للخلق”[36] ثم يضيف ابن تيمية: ” وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف، ولا نهوا كل أحد عن كل منكر، ولا جاهدوا على ذلك، بل منهم من لم يجاهد، والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم، كما يقاتل الصائل الظالم، لا لدعوة المجاهدين إلى الهدى والخير، ولأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر”[37]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي عند ابن تيمية، ومنه الجهاد كذلك[38].

 

” الواجبات والمستحبات، لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع”[39] ثم يضيف: ” فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك واجب، وفعل محرما، إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباد الله، وليس عليه هداهم”[40]

ويصنف ابن تيمية الناس في خطأهم في الأمر بالمعروف فريقان، فريق يتركه تأويلا للآية ” يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم” ( المائدة- 105) وفريق آخر حدده ابن تيمية بقوله: ” من يريد أن يأمر وينهى- إما بلسانه وإما بيده- مطلقا من غير فقه ولا حلم ولا صبر، ولا نظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر.. فيأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معتقدا أنه مطيع لله ورسوله، وهو معتد في حدوده، كما نصب كثير من أهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي، كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه” [41].

وعن دولة العدل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ” وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال:الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم) فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة”[42] ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:” وذلك أن العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبه في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم، وإن كان صاحبها من الإيمان ما يجزئ به في الآخرة”[43].

ونجد لدى شيخ الإسلام ابن تيمية إشارة يمكن وصفها بالعبقرية عن الظلم وتداعيه مجتمعيا حين يقول رحمه الله: ” فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه، والحسد له، والتعدي عليه في حقه، وفيها داعي الظلم لنفسها..فإذا رأت نظراءها قد ظلموا أو تناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير”[44] كما نجد إشارات من قبل أن أهل المنكر يحبون من يوافقهم[45]

وتأكيدا على هذه النظرة الواقعية، يضيف شيخ الإسلام ابن تيمية في باب ” الصبر على جور الأئمة” قياسا على المصلحة والمفسدة من هذا الأمر: ” ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم، ما أقاموا الصلاة، وقال: أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم”[46] وهو ما نجده يقوله رحمه الله كذلك في رسالتيه المظالم المشتركة والسياسة الشرعية.

ودرءا من أهل السنة والجماعة، كان من أصولهم ” لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، بينما جعله أهل الأهواء- كالمعتزلة- من أصول دينهم”[47]

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: ” إن الأمر والنهي- وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان هذا الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته” ثم يفصل رحمه الله في شأن الطائفة أو الشخص الجامعين بين المعروف والمنكر، وإذا كان المنكر أغلب أو المعروف أغلب أو تكافأ المعروف والمنكر لم يؤمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، وذلك في الأمور المعينة الواقعة[48] يقول ابن تيمية: ” ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة- مع حسن إيمانه وصدقه- وتعصب لكل منهم قبيله حتى تكون فتنة”[49].

 

 

 

 

 

[1]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 3/391-395.

[2]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، مصدر سابق مذكور، 3/391

[3]

[4]  الإمام الذهبي، سير أعلام النبلاء،  ج4/ 115 ترجمة مسلم بن يسار في الطبقة الثانية.

[5]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 1/75.

[6]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، مصدر سابق مذكور، 1/ ص 14-18

[7]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 1/ 14-18.

[8] قال ابن حجر في الفتح 12/313: إسناده صحيح.

[9] فتح القدير، للشوكاني: 3/447.

[10] قال الوادعي في كتابه صحيح دلائل النبوة: سنده حسن.

[11]  ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في بدعهم الكلامية، مجموعة محققين، ط مجمع الملك فهد سنة 1426، ج5/454-455

[12]  مجموع الفتاوى(5/35)، وكذلك د محمد السيد الجليند، الإمام ابن تيمية وقضية التأويل: دراسة لمنهج ابن تيمية في الإلهيات وموقفه من المتكلمين والفلاسفة والصوفية” ط دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ط5 سنة 2000ص 148

[13]  د محمد السيد الجليند، الإمام ابن تيمية وقضية التأويل، ص 148 وما بعدها.

[14] ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/70

[15] ابن كثير، البداية والنهاية، ج8/70

[16] تأملوا: ابن عباس رضي الله عنه يلقي عليهم السلام؛ تحية الإسلام ” السلام عليكم ورحمة الله “، وهم يجيبونه بعبارة ” مرحباً “؛ على اعتبار أنه كافر لا يجوز أن يُرمى عليه سلام الإسلام … ومن أحفادهم اليوم من يفعل هذا الفعل مع المسلمين!

[17] رواه أحمد، والطبراني، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج.

[18] إحسان عباس، شعر الخوارج، مصدر سابق مذكور، ص 9.

[19]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى (7/217).

[20]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى (7/217).

[21]  مجموع الفتاوى (7/507).

[22] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1283.

[23] أي طريقاً معتدلاً وسطاً من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.

[24] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 95. وقوله ” يُغالب “؛ أي يجنح للتشدد .. ويعتزل الرفق والاعتدال .. فلا يأخذ بالرخص الشرعية حيث ينبغي الأخذ بها.

[25] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، 37.

[26] انظر في هذه الأبيات ابن الأثير، الكامل، الجزء الثاني، وتاريخ أبو الفدا، الجزء الأول، وعبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ج1، ص 71، ولم يورد الدكتور إحسان عباس هذه الأبيات فيما جمعه من شعر الخوارج.

[27] انظر في ذلك د إحسان عباس، شعر الخوارج، ط دار الثقافة، بيروت سنة 1974 ص 54.

[28] إحسان عباس، شعر الخوارج، المصدر السابق، ص 33.

[29] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 35.

[30] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، 33.

[31] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 35.

[32]  مجموع الفتاوى، ( 7/684)

[33]  منهاج السنة (5/240).

[34]  مجموع الفتاوى (12/498).

[35]  مجموع الفتاوى (10/372).

[36] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، دار المجتمع، جده سنة 1409، تقديم الجليند ص 27.

 

[37] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، المصدر السابق نفسه

[38] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 29.

[39] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 30.

[40] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 30.

[41] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 31.

[42] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 48.

[43] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 48.

[44] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 48.

[45] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 52-54.

[46] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 32 وقد ورد الحديث في البخاري 6/612 بلفظ مختلف، ومسلم 4 الحديث رقم 1843 وفي مسند احمد 1/ 432.

[47] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 32.

[48] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، 33.

[49] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق د محمد السيد الجليند، ص 35.