بين الاعتدال والتسامح

التشابك المفهومي والسياق الإسلامي.


يبدو مفهوم الاعتدال، شاملا يملك النظرية والفعل، كما يمثل رؤية للذات والآخر، وهو أقرب لمفهوم الوسطية الأصيل في الفكر الإسلامي، وتعزيزه، كما يحمل موقفا مبدئيا من الآخرين، بلا تطرف أو غلو أو تطرف مضاد، هو وصف للمواقف والتصورات المعقلنة أكثر منه للمشاعر التي ترتبط أكثر بمفهوم التسامح.

إن مفهوم” الاعتدال” في معانيه اللغوية والمعاصرة للوعي العربي والإسلامي، بينما يرتبط مفهوم التسامح في هذا الوعي بالسماحة في البيع والشراء والعفو عن المخطئين، ولم يحمل دلالاته التي تلت فكريا وثقافيا وسياسيا، كمراعاة للتنوع داخل الوحدة والقبول بالآخر الثقافي والحضاري والديني والمذهبي، كما تعبر عنه ترجمة كلمة” Tolerance” كما أنه مفهوم التسامح رغم اتساع مفهوم الاعتدال له يتحدد في الموقف من الآخر والقبول به، ولا ينشغل بتعديل أو تقويم الفكر المتطرف ضد الآخرين، ولذا يبدو أقل فعالية في دعوته من الاعتدال الذي يمكن أن يمثل توجها وتصورا ومبدأ في الفهم والفعل على السواء تجاه الذات وتجاه الآخرين.

الاعتدال إطار مفهومي أوسع من التسامح:  

يحتوى مفهوم الاعتدال في داخله على أبعاد مفهومية متعددة، فهو يحتوى على الوسطية في النص الديني والعقلانية في فهمه، والرشادة في التزامه، وكذلك الموقف المعادي للعنف دون تفريط في الحق، ويحتوى على معاني التقارب والتجسير بين المختلفين، هو عكس الجنوح في كل شئ، وعكس كل ما هو مثير وانفعالي وعنيف رمزيا أو عمليا في الخطاب والممارسة على السواء.

وعودا لسياقاتنا العربية والإسلامية الراهنة التي تأسسس فيه مركز الأمير خالد الفيصل للاعتدال بجامعة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وكذلك مراكز أخرى عديدة شبيهة بالمملكة والمنطقة والعالم، بهدف مكافحة التطرف وتجفيف روافده وتعزيز ثقافة الوسطية، تبدو الدعوة للاعتدال التزاما وتوجها مبدئيا في الفهم أولا ثم في العمل والسلوك ثانيا، يشمل الأفراد كما يشمل المؤسسات، وهو عكس المفهوم الغربي للتسامح الذي يبدو في كثير من تعريفاته مرتبطا بجانب منهما دون الآخر، كما أن التسامح يحتوى وفقط على بعد واحد من أبعاد تصور ومفهوم الاعتدال وهو القبول بالآخر والتعايش معه، دون نظر للذات المتسامحة ذاتها، ولكن يحمل الاعتدال في بعض دلالاته، معنى العدل وعدم الظلم للذات أو للآخر، فهو لا يعني تفريطا في حق ولا تساهلا مع باطل أو ضلال ولكن يضبط الفعل والموقف تسامحا أو قبولا أو رفضا ونبذا.

ولن يعوزنا الجهد عن الكشف عن معاني ” الاعتدال” في لسان العرب، فهو مرتبط بالاستقامة في النفس، كما يرتبط بالمناسبة، يقول صاحب اللسان: ” وكلُّ ما تَناسَبَ فقد اعْتَدَل؛ وكلُّ ما أَقَمْته فقد عَدَلْته” فهو يرتبط بالعدل والتعديل أي الإصلاح والتقويم كما يرتبط بالتوسط وعدم التطرف ويرتبط باستقامة الشهادة والرواية والقول والفعل.

غربية” التسامح المعاصر ومشاكل الترجمة والدلالة :

ظهر مفهوم التسامح في التراث المسيحي في القرن السادس عشر الميلادي، مع سعار الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، فكتب جون لوك سنة 1667 ميلادية مقالته المشهورة” مقالة في التسامح” وكتب سنة 1689 رسالة أخرى بعنوان” رسالة من أجل التسامح” كما كتب فولتير ” قول في التسامح” سنة 1764، وكان كل منهما محشونا ومدفوعا بالصراعات الدينية، وربما لم يتطور مفهوم التسامح ليتسع فكريا واجتماعيا وسياسيا بشكله الواسع المعروف في الأدبيات المعاصرة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين.

كما واجهت مفهوم” التسامح” في البداية مشكلة الترجمة، مما آثار معارضيه في بداية عصر النهضة في مصر، حيث ترجموا كما طرحه جون لوك لوك في القرن السادس عشر و فولتير في القرن الثامن عشر ب” التساهل” كما فعل كل من فرح أنطون( توفي سنة 1922) وعند أمين الريحاني( توفي سنة 1940) رغم وعيهم أن التساهل يحمل في دلالته العربية معنى القبول بالخطأ أو خطيئة أو اختلاف غير مرضي ولا يعني القبول به حينها، كما هو مفهوم التسامح في الثقافة الغربية وعصر الحداثة بالخصوص، وإن كان أنطون بعلمانيته الشاملة جعله مرادفا لعدم اعتبار الدين في تصنيف الناس بشكل عام! .حيث يقول: ” لا نقدر ان نعرف التساهل تعريفا لغويا لأن هذه الكلمة دخيلة في اللغة العصرية الجديدة وانما نعرف معناه باصطلاح الفلاسفة، فمعنى التساهل عندهم ان الانسان يجب ألا يدين أخاه الانسان لأن الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق واذا كان الله سبحانه وتعالى يشرق شمسه على الصالحين والاشرار فيجب على الانسان ان يتشبه بذلك ولا يضيق على غيره لكون اعتقاده مخالفا لمعتقده”.

وفرح أنطوان هنا يعبر عن مشكلة مسيحية تاريخية منذ العصور القديمة،  ففعليا كانت أول رسالة للتسامح كتبها تيمستيوس الروماني،  والذي لم يكن مسيحيا لكنه مفكر حر هاله ما توقعه الدولة والكنيسة بالذين يخالفونهما الرأي فكتب رسالة الى الامبراطور يطالبه فيها بالغاء المراسيم التي تبيح اضطهاد المواطنين المخالفين، ورغم كل هذا التاريخ الطويل من تحديد مفهوم التسامح إلآ أنه كما يقول أندريه هاندسون لا يزال يحمل الكثير من المشاكل التي لم تحل بعد، ويستخدم بأشكال مختلفة بين الأفراد والمؤسسات على السواء . وحتى العصور الوسطى، وكذلك عن أزمات راهنة مع المسيحيين الشوام في العهد العثماني، دفعتهم للهجرة ل مصر ثم كثيرون منهم لبلاد المهجر.

دعت هذه الترجمة بعض المفكرين الإصلاحيين ك  جمال الدين الأفغاني( توفي سنة 1897 ميلادية) ومحمد عبده( توفي سنة 1905) رغم ما عرف عنهم من تسامح مع مختلف الأديان والطوائف والأفكار، وكان محل تحفظ كبير  من كثيرين دائما، للدفاع عن التعصب، الذي رأوه بمعنى” العصبية” الخلدونية بالخصوص التي تندفع حضورا للذود عن المقدسات والمحارم وإقامة الحدود ورد المعتدين، وكأنهم رأوا في دعوة” التساهل” في سياقات التحرر من المستعمر والدعوة للجامعة الإسلامية والدستور وغيرها من دعوات سلبية التساهل تجاه من يجابهونهم، وكانوا يحسبون كثيرا من مهجريي الشام عليهم، ولكن منذ تسعينيات القرن الماضي بدأ العودة لمفهوم التسامح للتعبير عنه بمعناه الغربي وتم تجاوز مفهوم التساهل المشوه أو غير المقبول في السياق العربي والإسلامي دائما.

الاعتدال والنظرية الاجتماعية المعاصرة:

إن النظرية الاجتماعية المعاصرة جعلت الاعتدال مرتبطا أكثر بالسياسات الجماعية للمؤسسات والمنظمات والدول بينما حصرت التسامح في السلوكيات التي تخص هؤلاء، كما زاد الخطاب العربي المعاصر في ربط الاعتدال بالقراءة الوسطية في فهم الدين والتراث والعلاقة بين الذات والآخر، داخلها أو خارجها.

لكن لا شك أن كلا المفهومين يعتمل في سياقات ثقافية تنتج وتعيد إنتاج القيم الاجتماعية في المجتمعات المختلفة، حيث تتحول خيارات الأفراد إزاء مواقف وممارسات معينة في كل مرحلة تاريخية عها في السابق، نظراً للتحول في إنتاج أو استبعاد قيم ومواجهات سلوكية معينة، فارتداء الحجاب الشرعي أو النقاب أو السفور أو التعامل مع البنوك التجارية الحديثة وأسواق المال والعلاقة بالآخ،وغيرها من الخيارات الفردية لا تحدث فقط نتيجة تطورات فكرية في اتجاهات الأفراد بقدر ما تُعبر عن قوى اجتماعية أو مؤسساتية تنتج تلك التحولات وتدفع إليها إيجابا أو سلبا.

ومن أجل تحقيق فهم أكبر لنظرية الاعتدال ينبغي العودة إلى علم الاجتماع؛ فقد تحدث كارل ماركس عن أن « الطبيعة الإنسانية لا تُفهَم إلا من خلال السياقات التاريخية والاجتماعية التي يعيش فيها البشر باعتبارهم كائنات اجتماعية»()، ومن ثم فإن سلوك واتجاهات وقيم الأفراد والجماعات هي جزء اللحظة التاريخية وقواها البنائية التي تُملي على الأفراد خياراتهم.

يبدو سوك الاعتدال في المفهوم الغربي أقرب إلى السلوك الاجتماعي أو المؤسسيorganizational بمعنى مرجعيته سلوكيته؛ حتى أن عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز عندما تحدث عن حل مشكلة النظام الاجتماعي تحدث عن منظومة القيم الحاكمة له عبر الاعتداد « بنسق من المعايير، والقيم المشتركة»()؛ ولا يعني احتكام بارسونز إلى نسق المعايير والقيم المشتركة أن الافراد يملكون حرية في الفعل وتحديد الخيارات والاتجاهات، فقد كان بارسونز يعمل على « رفع شعار إرادية الفعل كشعار أيديولوجي في مواجهة الحتمية الحاكمة للفعل فى النموذج الماركسى»()  وهو ما نراه يلتقي مع مبدأ الحرية والكرامة الإنسانية في التصور الإسلامي، والمسئولية الفردية أمام الله والناس، دون حتميات اليوتوبيات غير العقلانية وغير التاريخية في الأديان والأفكار، التي تعادي التاريخ وتدعي أنها تملك حركته.

إن مفهوم الاعتدال Moderation   في الفهم العربي والإسلامي القديم والمعاصر أوسع من مفهوم التسامح كما أنه يحتوى في طياته عليه، ويتسع لما هو مكافحة لظلم الآخرين أو للذات، كما يحمل في طياته معاني الإصلاح والتقويم، ولا يقف عند حدود القبول بالآخرين والتعايش معهم.