ندوة بعنوان “استغلال الجماعات المتطرفة للوقائع التاريخية”


أقام مركز الامير خالد الفيصل للاعتدال ندوة علمية متخصصة في موضوع غاية في الأهمية والتأثير ، وقد ناقشت الندوة موضوع استغلال الجماعات المتطرفة للوقائع التاريخية ، وأجمع المشاركون على عظم المسؤولية التي تقع على عاتق المفكرين والأكاديميين المتخصصين والمراكز العلمية والبحثية حول ضرورة بيان الوقائع التاريخية التي يستغلها أولئك المتطرفون للاستناد عليها او الاستدلال بها للترويج لأفكارهم المنحرفة ومناهجهم الضالة وعلى أهمية دعم التنوع الفكري في المجتمعات وبين الحضارات المختلفة والتعامل مع الاختلاف في الأفكار والمواقف باعتدال كما هو المنهج الشرعي الذي حث عليه الدين الاسلامي الحنيف وتبناه قادة هذه البلاد المباركة في كل السياسات الداخلية والخارجية.

هذه الندوة كانت إحدى الثمار اليانعة التي تحققت بفضل الله تعالى ثم بجهود إدارة مركز الامير خالد الفيصل للاعتدال في إقامة العديد من الشراكات والتعاون مع كافة قطاعات المجتمع والمراكز العلمية البحثية والاقسام الأكاديمية بالجامعات ومنها قسم التاريخ بجامعة الملك عبدالعزيز .

افتتحت الندوة بكلمة ترحيبية من قبل مدير مركز الامير خالد الفيصل للاعتدال الدكتور الحسن ال مناخرة ، رحب فيها بالمشاركين في الندوة والضيوف الحاضرين وشكر من خلالها إدارة جامعة الملك عبدالعزيز ممثلة في معالي مديرها الاستاذ الدكتور عبدالرحمن اليوبي وقسم التاريخ بالجامعة تحديدا على تعاونهم البناء في إقامة هذه الندوة ثم تطرق الدكتور ال مناخرة إلى أهمية مناقشة مثل هذه الموضوعات مذكرا بأن موضوع استغلال المتطرفين للوقائع التاريخية لم يسلط عليه الضوء  كثيرا في محاضراتنا وندواتنا العلمية في المجتمع ولكنه وللأسف استغل كثيرا من قبل الجماعات المتطرفة للتلبيس على عامة الناس خصوصا ممن ليس لديهم خلفية علمية كافية عن أبرز الأحداث التاريخية التي مرت بها الأمة الاسلامية في سالف عصورها .

ثم تحدث الدكتور أحمد جيلان المستشار بالتوعية الفكرية بوزارة الشؤون الاسلامية والدعوة والإرشاد عن أهمية التأصيل العلمي للوقائع التاريخية ، مشيرا الى أن أولئك المتطرفين يعملون على استدعاء الصراعات التاريخية ليقيسوها على واقع اليوم ، موضحا أن تلك الجماعات المتطرفة تجتزيء النصوص للأحداث التاريخية التي وقعت في العصور الاولى للتأثير على اتباعهم مع غياب تام للفقه بكافة أنواعه بما فيها فقه الاولويات فقه التعامل مع المسلمين وغير المسلمين وفقه السلم والحرب وليس لديهم منهجية سليمة للاستدلال الصحيح في تنزيل الأحكام الفقهية على الوقائع والاحداث .

وقد استشهد الدكتور جيلان على الخلل المنهجي لديهم بترويجهم للحروب والقتل ومعاداة الآخرين والتركيز على الحروب الصليبية والمواقف المؤلمة التي مرت على المسلمين مع إغفال متعمد للجانب المشرق من تاريخ الاسلام والمسلمين والنصوص القرآنية والنبوية التي تدعو إلى التعامل مع المسلمين وغير المسلمين بحكمة وتؤدة وصبر وقصص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في الدعوة والتعايش مع غير المسلمين ، مؤكدا في نهاية مشاركته على ان الاسلام دين رحمة ودعوة وليس دين قتل وإبادة ، شاكرا لمركز الامير خالد الفيصل عقد مثل هذه الندوات واستضافة المتخصصين والمهتمين بمثل تلك الموضوعات لمناقشتها مناقشة مستفيضة تراعي كل الجوانب ذات العلاقة مع بيان السياقات التاريخية التي صاحبت تلك الوقائع بطريقة علمية منهجية .

من جانب آخر ، تحدث الاستاذ الدكتور مبروك الباهي عن موضوع التلاعب بفكرة التاريخ مبينا ان كل حادثة تاريخية محكومة بزمن معين ولها سياق محدد لكن أولئك المتطرفين لا يعترفون بالزمن وبالتالي يستلون تلك الأحداث من زمنها وسياقها للتأثير والإقناع وهذا عمل لا تاريخي وهو حياد واضح عن الموضوعية في قراءة الأحداث والنظر  الصحيح في دراسة التاريخ بشكل علمي ومنهجي سليم . وأشار في هذا الصدد الى انهم يحاولون ان يصوروا للناس ان الاسلام في خطر كبير ، على الرغم من ان انتشار الفكر الاسلامي في هذا العصر اكبر بكثير من عصور مضت ، مؤكدا على ان التلاعب في التاريخ يحصل بالانتقاء للأحداث وتفسيرها بما يخدم أجندة معينة واستراتيجية محددة.

وفِي سياق متصل تحدث الاستاذ الدكتور تركي الحارثي عن أهمية النظر في التاريخ للاعتبار وكيفية الاستفادة من الأحداث التاريخية السابقة ، مرجعا كثيرا من الإشكاليات المنهجية في التعاطي مع تلك الوقائع التاريخية الى التمسك بالرأي وعدم تحديد ومناقشة النقاط التي يدور حولها النزاع مع قصور في أدب الحوار والاختلاف. وركز الدكتور الحارثي على ان تحولات المجتمع من حالة الى حالة دائما يصاحبها شي من عدم الاقتناع والخوف من المجهول وربما التمرد على السلطة مستشهدا بمشروع توطين البادية في عهد الملك عبدالعزيز وكيف استطاع القائد المؤسس لهذا الوطن من التعامل بحكمة وبعد نظر وقوة في بعض الأحداث لفرض هيبة الدولة حينما انتقل المجتمع السعودي من حالة البادية الى حالة التحضر ومراحل التطور المتعاقبة التي صاحبت ذلك التحول ، مختتما مشاركته بالحديث عن الاسلام السياسي مع أخذه لجماعة الاخوان المسلمين انموذجا .

وكانت مشاركة الدكتور عمر يحيى اليماني هي مسك الختام لهذه الندوة والتي أوضح من خلالها بأن الاسلام حرم القتل ودعا الى الحياة بمفهومها الشامل للاستفادة من كافة الجوانب والفرص المتاحة ، فهو دين المحبة والسماحة والتواصل مع الآخرين مستشهدا بحسن جوار النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في المدينة وتوقيعه لوثيقة المدينة معهم . وبنظرة شمولية ذكر الدكتور اليماني بأن التاريخ شهد موجات كثيرة من التطرّف حتى لدى الحضارات الاخرى كالاغريق والرومان والهنود الحمر ، لكن للاسف أصبح التركيز العالمي في الوقت الحاضر على الاٍرهاب الاسلامي كما يسمونه زورا وبهتانا ، والا فالإرهاب لا دين له وليس خاصا بمجتمع معين او دولة محددة.

الجدير بالذكر ان هذه الندوة كانت بإدارة الدكتور عماد طاهر وهو احد منسوبي قسم التاريخ بجامعة الملك عبدالعزيز والمهتمين بمناقشة مثل هذه القضايا التي تمس المجتمع بشكل مباشر ، وقد أجاد في إدارته للندوة مختتما إياها بأن التطرّف وباء عالمي لكنه ضرب مجتمعاتنا الاسلامية بشكل كبير ، وداعيا في الوقت ذاته الى أهمية التعاون بين الأقسام الأكاديمية والمراكز العلمية والبحثية لتعرية هذا الفكر الإرهابي المتطرف وتوعية كافة شرائح المجتمع بطرقهم وأساليبهم التي لا تستند الى أي منطق علمي او عقلي سليم.

وفِي ختام الندوة كرم مدير مركز الامير خالد الفيصل للاعتدال الدكتور الحسن ال مناخرة المشاركين في الندوة مبينا ان هذه الندوة لن تكون الاخيرة في مناقشة مثل هذه الموضوعات التاريخية بإذن الله ، ومؤكدا على ان مركز الامير خالد الفيصل للاعتدال ماضيا في مسيرته منذ أن أخذ على عاتقه مسؤولية نشر وتعزير ثقافة الاعتدال في المجتمع ومعالجة قضايا التطرّف والارهاب والعنف والعنصرية بأسلوب علمي مدروس .