الخطاب الفكري ومكافحة الإرهاب .. مواضع القوة والضعف

فرض على الجميع في العالمين العربي والإسلامي،  بعد اعتداءات الإرهاب المتكرة،، أن ينتبه بشدة لخطورة ظاهرة “التطرف العنيف” وحتى تستوعب أنها إزاء ظاهرة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها مجموعة من المُحددات،

ولو عدنا إلى منعطف اعتداءات نيويورك وواشنطن، أحداث سبتمبر سنة 2001 مثلاً، ومعه الاعتداءات التي طالت العديد من الدول والمدن العربية بعده ولا زالت حتى الآن في (الرياض، الدار البيضاء، عمان.. إلخ) أو الإسلامية (بالي وكابول) والأوروبية (مدريد، لندن)، كان الخطاب النقدي السائد حينها، سواء الصادر عن صناع القرار السياسي والأمني أو عن العديد من المفكرين والباحثين، يصُبُّ في اختزال المواجهة إما في الشق الأمني الصرف، كما هو الحال مع مواقف أغلب صناع القرار في المنطقة، أو التوفيق بين المواجهة الأمنية والمواجهة المعرفية، أو توسيع المجال للمباشر الأمني والمعرفي إلى التنموي والحضاري وأساليب غير مباشرة أخرى، على قلة الأسماء البحثية التي رَوجت لهذا الخيار.

اتضح لاحقاً ــ وبعد أن أضعنا سنوات في حالة التيه التفسيري، من فرط الصدمات التي تعرضنا لها –  والتي زكتها صدمات أحداث ما عرف ب “الربيع العربي” سنة 2011 ــ أن المواجهة مُعَقدة ومُرَكبة من جهة، وأنها ستطول أكثر مما هو متوقع من جهة ثانية.

كما اتضح أنه كلما حسمنا في أهم مُحددات المواجهة، معالمها، تفاصيلها، أجرأتها، كلما تقلص السقف الزمني للمواجهة المفتوحة على كافة الاحتمالات.

وفي هذا السياق، خلُصت أغلب القراءات النوعية والرصينة، إلى أن هذه المواجهة، لا بد من الانطلاق من الأرضية التأسيسية التالية:

ــ لا مفر بداية من تشبيك المواجهة، على مُجمل المُحدّدات المرتبطة بالظاهرة، أو قل الأسباب المغذية لظاهرة “التطرف العنيف”، سواء تعلق الأمر بالأسباب الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية؛

ــ لا مفر من طلب خبرة أهل “الأفكار الطولى”، أو قل أهل النظر البحثي الرصين، لأن المواجهة المعرفية، أنفع في تفكيك الظاهرة، مقارنة مع باقي المواجهات التي يغلب عليها الطابع الظرفي، بل تسقط أحياناً في مأزق المقاربات الاختزالية كما عاينا في عدة نماذج محلية، وبالتالي، تصبح مواجهة معطوبة أو متأزمة، وتساهم بشكل أو بآخر، في إطالة عمر الظاهرة.

نحن نفترض بالتالي، أن المقاربة المعرفية لظاهرة “التطرف العنيف”، توجد في مقدمة الجبهات المفتوحة ضد هذه المشاريع التي تهدد السلم المجتمعي في المنطقة وفي العديد من دول العالم، بل إن الساحة الأوروبية، والتي كانت بعيدة بشكل كبير عن قلاقل الظاهرة، أصبحت هي الأخرى، ساحة انتشار وتفريخ “التطرف العنيف”، خاصة أن مؤشرات التداول الأوروبي، تفيد أن العديد من دول أوروبا الغربية بالتحديد، مُهددة عملياً بالتعرض لاعتداءات متلاحقة من هول الأسباب المغذية لها هنا، فالأحرى الأسباب المُغذية لها في التداول العربي الإسلامي، كما تأكد ذلك عملياً مباشرة بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي”.

تأسيسياً على الفرضية سالفة الذكر، لنا أن نسأل عن الأسباب التي تفسر تواضع المواجهة الفكرية لظاهرة “التطرف العنيف”، بصرف النظر أولاً عن حجم “المواجهة المعرفية” المعني هنا، كأن تكون نوعية أو متواضعة؛ وبصرف النظر ثانياً عن تفاعل باقي الفاعلين (السياسيين والأمنيين والدينيين) مع أداء تلك المواجهة.

أحصينا مجموعة من الأعطاب التي حالت دون الاطلاع على أعمال نوعية وتراكمات رصينة في الشق المعرفي الخاص بمواجهة الظاهرة، بعضها ذاتي، وهو السائد، وبعضها موضوعي أو خارجي، ويهم تفاعل صناع القرار، وبيان ذلك كالتالي:

 

أ ــ العطب الموضوعي في المواجهة الفكرية “للتطرف العنيف”:

هناك أعطاب خارجية حالت دون انخرط الأقلام الفكرية بشكل نوعي في هذه المواجهة، ويتقدمها عطب “العقل السياسي البراغماتي”، الذي يبحث عن أقصر الحلول لسحب البساط عن مُسببات الظاهرة، دون استشارة أهل النظر الذين يشتغلون على الأسباب المُعقدة لظاهرة مُركبة، ولا يختزلون التطرف الديني في سبب دون سواه، على غرار ما يصدر عن القراءات البحثية الإيديولوجية، وخاصة القراءات الصادرة عن المرجعيات الإسلامية الحركية (الإخوانية، أو السلفية، بلْه “الجهادية”)، والمرجعيات المحسوبة على “الحداثة” و”العلمانية”.

بل إن العديد من المؤسسات ينظرون إلى العمل الفكري بشكل عام، بما في ذلك العمل النظري الخاص بمواجهة الظاهرة، على أساس أنه ترف معرفي، لا يُفيد كثيراً في جبهات المواجهة، وواضح أن هذه الرؤية، تُقزم بشكل كبير من الدور المعرفي المنوط بالمفكرين والباحثين، كما أنها تغذي النزعة التشاؤمية السائدة لدى أهل الفكر، بخصوص التفاعل المسؤول والنافع لصناع القرار مع لائحة من المشاريع الفكرية التي تعج بها الساحة، والتي تتضمن مجموعة من المفاتيح النظرية والعملية لمواجهة الظاهرة.

 

ب ــ العطب الذاتي في المواجهة الفكرية “للتطرف العنيف”:

نأتي للعطاب الأهم في المعضلة، وترتبط مباشرة بأداء النخبة الفكرية في المجال التداولي والسجالي الإسلامي بشكل عام، وخاصة في المجال التداولي العربي منه، ونحصي لائحة عريضة من الأعطاب، نذكر منها ثلاثة على الأقل:

 

1 ــ نخبوية الخطاب وغرابته أحيانا:

الإحالة هنا على ظاهرة تُميز أداء العديد من المفكرين في التداول الإسلامي، وهذه مسألة طبيعية، وسائدة أيضاً في التداول العالمي، مادام الأمر يتعلق بنخبة فكرية، تشتغل في أفق معرفي أو “ثقافة عالِمة” سقفها مرتفع إجمالاً مقارنة مع السقف المعرفي لصناع القرار أو العامة، لولا أن إكراهات التعامل مع ظاهرة “التطرف العنيف”، خاصة أنه يُهدد السلامة النفسية والروحية للمجتمع والدولة، تقتضي أن ينخرط هؤلاء في تبسيط الخطاب المعرفي المعني بالتصدي للظاهرة، عوض الإصرار على تمرير خطاب معرفي بعيد عن التلقي أو صعب الظفر بمفاتيحه التفسيرية، هذا على  فرض أننا إزاء لائحة عريضة من الأعمال المعرفية النوعية التي تشتغل على تفكيك الظاهرة، وواضح أن الأمر خلاف ذلك كما نُعاين على أرض الواقع.

كما أن البعض مما يمكن أن يوصفوا ب” التطرف الليبرالي” الذين يدعون مواجهة التطرف دون ضابط من علم معياري حقيقي، بدلا من أن يهاجموا الخطاب المتطرف والمتشدد التحاما واشتباكا، الذين وجهوا سهام انتقاداتهم للتراث ورموزه وإعلامه في اجتزاء واضح استفز كثيرا من الجمهور المتدين في مصر والمغرب على سبيل المثال، واستغله التطرف ويوظفه لكسب تعاطف هذا الجمهور معه.

 

2 ــ اختزالية الخطاب النقدي وغياب المنهج التكاملي:

يُحيلنا هذا العطب على ما كان يُحذر منه الراحل محمد أركون، وحديثه عن “السياجات الدغمائية المغلقة”، وبيان ذلك، أن غياب ثقافة الاعتراف، والاشتغال بمقتضى “الجزر المعرفية المعزولة”، حال أن نُعاين تضافر وتجميع إسهامات المفكرين في تفكيك الظاهرة، حيث يُصر هذا الإسم أو غيره، على ترويج قراءته الشخصية/ الذاتية للظاهرة، مقابل عدم الاعتراف أو عدم الاستشهاد بباقي الاجتهادات التي صدرت في الساحة، سواء كانت صادرة في مجالنا التداولي أو باقي المجالات التداولية، هذا دون الحديث عن تبني نماذج تفسيرية، تكاد تكون اختزالية، بتعبير الراحل عبد الوهاب المسيري، إن لم تكن كذلك، أي التركيز مثلاً على المُحدد السياسي في قراءة الظاهرة، انطلاقاً من أدبيات “العلوم السياسية”، أو التركيز على المُحدد الاجتماعي أو الديني انطلاقاً من أدبيات “علم الاجتماع الديني”، وغيرها من المُحدّدات.

 

3 ــ قصدية الخطاب

نأتي لإحدى أهم أعطاب المقاربات المعرفية في التعامل مع الظاهرة الإسلامية الحركية بشكل عام، وظاهرة “التطرف العنيف” بشكل خاص، والحديث عن عطب المصالح الشخصية، حيث نُعاين أن العديد من الباحثين الذين لا ينهلون من المرجعية الإسلامية الحركية، يصرفون النظر عن الخوض في قراءة الظاهرة الإسلامية الحركية وتفكيكها، من باب عدم فقدان مكاسب ومصالح وامتيازات في حال تبني الخيار النقدي سواء الشعبي عند المتطرفين أو المعادين لهم، وعاينا هذه الظاهرة بشكل لافت بعد منعطف اعتداءات نيويورك وواشنطن، خاصة أن تبني القراءات النقدية للظاهرة، يحول دون ظفر الأقلام المعنية، بامتيازات من أنظمة ومؤسسات ومشاريع، محلية وإقليمية، مُغذية لهذه المشاريع أو متحالفة معها، حيث كان وظل التمويل مشكلة من مشاكل إعداد مشاريع بحثية كبيرة وجادة في منطقتنا أو العالم.

وقد أثر أداء هؤلاء هذه الأقلام انطلاقاً من هذه الهواجس، بهذه النتائج السلبية على مواجهة الظاهرة، فأن يكون الأداء ذاته مع الأقلام الإسلامية الحركية أولى، ونُعاين هذه الظاهرة أيضاً مع فورة المراكز البحثية التابعة للمشاريع الإسلامية الحركية، والتي توظف أقلاماً بحثية من نفس المرجعية أو تستقطب أقلاماً من مرجعيات أخرى، ولكنها لا تجرؤ على طرق الأبواب النقدية للظاهرة، والاشتباك النقدي الكامل فيها أو التزام فضيلة النقد الذاتي في قراءتها.

هذه بعض أخطاء وأعطاب ذاتية، تساهم بشكل عملي في تأجيل جبهة “الاشتباك المعرفي” الرصين ضد أدبيات وأفكار ومشاريع “التطرف العنيف”، وقبلها أدبيات وأفكار ومشاريع الظاهرة الإسلامي الحركية.